الرئيسية / آخر الأخبار / يسرى حبحاب ترسم ما لم تستطع الحرب هدمه
التشكيلية يسرى حبحاب
التشكيلية يسرى حبحاب

يسرى حبحاب ترسم ما لم تستطع الحرب هدمه

ملاك عطوي

حين نزحت الفنانة يسرى حبحاب جراء العدوان الأخير على لبنان، لم تحمل معها الملابس والحاجات اليومية فقط، بل اصطحبت أيضًا أدواتها الفنية من ريش وألوان، باعتبارها جزءًا أساسيًا من حياتها ووسيلتها للتعبير عن تجربتها في مواجهة الحرب والنزوح.

بالنسبة إلى يسرى، الرسم هو مساحة تلجأ إليها في الأوقات الصعبة، ووسيلة للتعبير عن مشاعر وأفكار قد تعجز الكلمات عن نقلها. لذلك، وفي خضم الحرب، غادرت منزلها قسرًا حاملة معها ما استطاعت من مقتنياتها، وكان من بينها أدوات الرسم التي شكّلت بالنسبة إليها وسيلة للاستمرار والإبداع في ظروف استثنائية.

وخلال أربعين يومًا من الحرب، أنجزت يسرى ثلاث لوحات عبّرت من خلالها عن الرجاء والأمل وروح التحدي والانتصار، كما حاولت عبر اللون نقل ما عجز الصوت عن التعبير عنه. ولم تكن هذه الأعمال مجرد نتاج فني أُنجز خلال الحرب، بل تحوّلت إلى نوع من التوثيق البصري لتجربة الخوف والنزوح والاقتلاع.

كل لوحة من هذه الأعمال حملت شهادة مختلفة عن الإنسان في زمن الحرب. ففي الوقت الذي كانت فيه الاعتداءات تترك آثارها على البيوت والجدران والطرقات، حاولت يسرى أن تقدم من خلال الفن قراءة أخرى للواقع، تبحث عن معنى للحياة والاستمرار وسط الخراب.

البيت اللبناني بوصفه وطنًا

في إحدى اللوحات، تقدم يسرى رؤية للبيت اللبناني من خلال صورة أم تنظر إلى بيتها الدافئ الذي ينمو على شجرة الزيتون، في إشارة إلى إرادة الحياة المتجذرة في نفوس اللبنانيين.

ولا يظهر البيت في العمل باعتباره مجرد مكان للسكن، بل بوصفه رمزًا للذاكرة والحماية والانتماء. كما تحضر المرأة بصورة الوطن الحامي الذي يحتضن أبناءه ويحاول حمايتهم من الأخطار المحيطة بهم.

أما شجرة الزيتون، فتتجاوز وظيفتها كعنصر بصري لتصبح رمزًا للجذور والاستمرار والتشبث بالأرض. وهي صورة تتقاطع مع تجربة الإنسان اللبناني الذي اعتاد مواجهة الأزمات وإعادة بناء ما تهدم وتحويل الألم إلى قدرة على الاستمرار.

وتحمل اللوحة فكرة أساسية مفادها أن تدمير البيت لا يعني بالضرورة سقوط معناه؛ فقد تتصدع الجدران، لكن الذاكرة تبقى، وقد تُقتلع العائلة من مكانها، لكنها تحمل وطنها معها.

التشكيلية يسرى حبحاب

امرأة في مواجهة الركام

أما اللوحة الثانية، فتستند إلى صورة واقعية التُقطت عقب أحداث عام 1982، خلال الحرب التي اجتاحت أحياء كثيرة في بيروت وخلفت دمارًا واسعًا وآثارًا عميقة في ذاكرة المدينة وسكانها.

وتظهر في اللوحة امرأة وابنتها جالستين على شرفة منزل شبه مدمر، في مشهد يجمع بين آثار الحرب ومحاولة الإنسان الاستمرار في حياته اليومية رغم الخراب المحيط به.

ومن خلال إعادة صياغة هذه الصورة بالرسم، نقلت يسرى المشهد من كونه وثيقة بصرية من الماضي إلى عمل فني يخاطب الحاضر. فالصورة القديمة تبدو، في سياق العمل، قريبة من المشهد اللبناني الراهن، بما يؤكد استمرار حضور الحرب في الذاكرة اللبنانية.

وتشير اللوحة إلى أن الألم الذي لا تتم معالجته قد يعيد إنتاج نفسه عبر الزمن، وأن صور الحرب القديمة يمكن أن تستعيد حضورها بعد عقود، في ظل مشاهد جديدة وأسماء وأماكن مختلفة.

ويبرز حضور المرأة في هذا العمل بوصفه رمزًا للصمود. فهي تجلس وسط الدمار وتمارس تفاصيل الحياة اليومية، في موقف يعكس قدرة الإنسان على الاستمرار رغم الظروف القاسية.

ومن خلال هذا التناقض بين هدوء المرأة وفوضى المكان المحيط بها، تطرح اللوحة صورة مكثفة عن الثبات والقدرة على مواصلة الحياة رغم انهيار الكثير من عناصرها.

التشكيلية يسرى حبحاب

مدينة تراقب الخطر

في اللوحة الثالثة، تنتقل يسرى إلى مشهد لمدينة ليلية يختلط فيها الضوء بالمطر والانتظار، فيما يحضر الشعور بالخطر والقلق بشكل واضح.

تبدو المدينة في حالة ترقب، وكأنها تنتظر ما قد تحمله اللحظة التالية. فالضوء، رغم حضوره، لا يلغي هشاشة المشهد، فيما تحمل تفاصيل المدينة إحساسًا بالخوف الذي قد لا يظهر بصورة مباشرة.

وتبرز النافذة بوصفها أحد أكثر عناصر اللوحة ارتباطًا بالجانب الإنساني. فهي توحي بوجود شخص يراقب ما يجري من خلف الزجاج، ويعيش حالة من الترقب والانتظار.

ولا تقتصر النافذة هنا على كونها جزءًا من البناء، بل تتحول إلى شاهد على الخوف والألم، وإلى مساحة تفصل بين الداخل الآمن نسبيًا والخارج المهدد بالخطر.

وتذكّر اللوحة بأن آثار الحرب لا تقتصر على المباني والطرقات، بل تمتد إلى الداخل الإنساني، حيث يعيش الناس الخوف والانتظار والقلق بصمت.

التشكيلية يسرى حبحاب

الفن في مواجهة الحرب

ثلاث لوحات أنجزتها يسرى حبحاب خلال أربعين يومًا من الحرب، لكنها تحمل ثلاث صور مختلفة للإنسان اللبناني: بيت يتمسك بالحياة، وامرأة تواجه آثار الدمار، ومدينة تعيش حالة من الترقب.

وفي أعمالها، لا تستخدم يسرى الرسم للهروب من الواقع، بل للتعامل معه والتعبير عن تداعياته. فاللون بالنسبة إليها وسيلة لمنح الألم صورة يمكن رؤيتها والتأمل فيها، وتحويل التجربة الشخصية والقاسية إلى عمل فني قابل للبقاء.

وقد حملت يسرى ريشها وألوانها خلال رحلة النزوح، لكنها حملت معها أيضًا قناعة بأن الفن يستطيع أن يحفظ الذاكرة من النسيان، وأن يحوّل التجارب الصعبة إلى أثر بصري يبقى حاضرًا بعد انتهاء الحدث.

فالعدوان قد يجبر الإنسان على مغادرة منزله، لكنه لا يستطيع بالضرورة انتزاع ما يحمله الإنسان في داخله من ذاكرة وحلم وقدرة على الإبداع.

ومن هذا المنطلق، أصبحت حقيبة يسرى خلال النزوح جزءًا من حكاية أعمالها؛ حقيبة حملت مقتنيات قليلة، لكنها احتفظت بما اعتبرته أساسيًا لمواصلة حياتها الفنية.

لم تكن الريشة بالنسبة إليها مجرد أداة، ولم تكن الألوان مجرد مواد فنية، بل وسيلة للحفاظ على مساحة من الحياة في زمن الحرب.

وهكذا بقي البيت حاضرًا في اللوحة، والزيتونة رمزًا للجذور، والمرأة صورة للصمود، والمدينة شاهدة على الخطر، فيما بقي الفن وسيلة لحفظ الذاكرة في مواجهة الخراب.

وفي مواجهة حرب تترك خلفها الدمار والصمت، اختارت يسرى حبحاب أن تترك أثرًا آخر: اللون، بوصفه فعلًا فنيًا هادئًا في مواجهة الحرب، وشكلًا من أشكال التمسك بالحياة.

شاهد أيضاً

الكاتبة أميرة بدر

قصة قصيرة بعنوان “وردة المشاعر” للكاتبة أميرة بدر

قصة قصيرة بعنوان :وردة المشاعر تأليف الأستاذة أميرة بدر (الجنسية : لبنانية) – الخبيرة التربوية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *