قدّمت التشكيلية الشابة ملاك الخطيب مشروع تخرّجها الفني في عمل بصري شديد الخصوصية، حمل ملامح سيرة ذاتية صاغتها بالألوان والرموز، وجعلت من الفن وسيلتها لاستعادة ذاتها بعد تجربة الحرب والنزوح. وجاء المشروع في ثلاث لوحات متتابعة، لا تبدو أعمالًا منفصلة بقدر ما تشكل فصولًا متكاملة من رحلة إنسانية تبدأ بالضياع، وتمر بمواجهة الذاكرة، لتنتهي باستعادة الهوية والأمل.
وافتتحت الخطيب مشروعها بلوحة حملت عنوان «الضياع»، جسدت فيها المرحلة التي شعرت خلالها بأنها فقدت اتجاهها وابتعدت عن ذاتها. فبدت ملامحها خالية من أي تعبير واضح، في انعكاس لحالة من الخوف والحيرة وعدم اليقين، بينما قيّدت الأسلاك الكهربائية يديها رمزًا للقيود النفسية التي كبّلت قدرتها على المضي قدمًا. ومن أسفل اللوحة، تمتد يد تحاول جرّها إلى سجن قضبانه ذكريات الحرب، في حين يحضر السلم بوصفه طريقًا للخلاص، موجودًا لكنه يحتاج إلى الشجاعة لاتخاذ قرار الصعود. أما المباني الجامدة والألوان الباهتة، فجاءت امتدادًا لذلك الفراغ الداخلي والعزلة التي فرضتها التجربة.

وفي اللوحة الثانية، «مواجهة الذاكرة»، تنتقل الفنانة من الضياع إلى مصارحة الماضي، حيث يحتل المنزل مساحة مركزية بوصفه رمزًا للأمان والانتماء والحياة التي سبقت الحرب. وتنبعث من نوافذه أضواء صفراء دافئة، في إشارة إلى أن البيوت، كما البشر، تشتاق إلى أصحابها وتنتظر عودتهم. وفي مقدمة المشهد، تقف طفلة تمثل النسخة الأولى من الفنانة، بكل ما تحمله من براءة وأحلام بسيطة، فيما تبقى اليدان مقيدتين، تأكيدًا على أن آثار التجارب لا تزول بمجرد الابتعاد عن المكان، وأن مواجهة الذكريات ليست استسلامًا لها، بل خطوة ضرورية لفهم أثرها في تشكيل الإنسان.

أما اللوحة الثالثة، «استعادة الذات»، فتشكل ذروة الرحلة وبداية مرحلة جديدة. هنا تظهر الخطيب أكثر هدوءًا وثقة، ممسكةً بفرشاة الرسم التي لم تعد مجرد أداة فنية، بل غدت رمزًا لهويتها والطريق الذي أعادها إلى نفسها. وتغمر اللوحة ألوان أكثر دفئًا وإضاءة أكثر إشراقًا، في تعبير عن أن الأمل لا يولد من غياب الألم، بل من القدرة على تجاوزه وتحويله إلى قوة تدفع نحو الحياة. فلا تعود الفنانة إلى ما كانت عليه، بل تخرج من التجربة أكثر نضجًا ووعيًا، بعدما استطاعت أن تتصالح مع ماضيها دون أن تسمح له بأن ينتزع منها شغفها أو مستقبلها.

وتؤكد الخطيب أن هذه السلسلة ليست مجرد توثيق للحرب أو النزوح، بل هي قراءة لأثرهما العميق في الإنسان، وكيف يمكن لتجربة قاسية أن تعيد تشكيل نظرته إلى ذاته والعالم، وفي الوقت نفسه تفتح أمامه إمكانية النهوض من جديد. ومن خلال هذا المشروع، تثبت أن الفن ليس فقط مساحة للتعبير، بل وسيلة للفهم والشفاء وإعادة بناء الذات، وأن التجارب الأكثر وجعًا قد تتحول إلى أعمال تمنح الآخرين فرصة لرؤية جزء من حكاياتهم فيها.

وجرت جلسة التحكيم بحضور مديرة الكلية المهندسة نوال بوداني، ورئيس قسم المسرح الدكتور وليد دكروب، ورئيس قسم الفنون التشكيلية الدكتور طلال الحاج حسن، إلى جانب أساتذة القسم وأهالي الطلاب.
وفي ختام الجلسة، أثنت لجنة التحكيم والحضور على المستوى الفني المتميز للمشاريع، مشيدةً بالإبداع والجهود التي بذلها الطلاب، ومتمنيةً لهم دوام النجاح والتوفيق في مسيرتهم الفنية والمهنية، لتكون مشاركة ملاك الخطيب واحدةً من أبرز المحطات التي عكست قدرة الفن على تحويل الألم إلى ذاكرة بصرية نابضة بالحياة، وأكدت موهبتها وحضورها الواعد في المشهد التشكيلي.

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني