في زمنٍ يُقاس فيه الفن غالبًا بعدد المعارض والجوائز، جاءت إطلالة الفنانة التشكيلية والروائية فاطمة إسماعيل على شاشة OTV مختلفةً في مضمونها، إذ لم تتحدث عن اللوحة بوصفها نتاجًا بصريًا فحسب، بل قدّمت الفن كرحلة داخل الإنسان، وكوسيلة لفهم الذات ومصالحة الروح مع جراحها.
منذ اللحظات الأولى للمقابلة، بدا واضحًا أن مشروع فاطمة إسماعيل لا ينطلق من سؤال تقني حول الرسم، بل من أسئلة وجودية رافقتها منذ البدايات: “أنا شو عم اعمل هون؟”، “شو هي الحياة؟”، “شو هو الصح والغلط؟”. وهي أسئلة تكشف أن الفن بالنسبة إليها لم يكن خيارًا مهنيًا، بل ضرورة داخلية للبحث عن المعنى.
وتوقفت إسماعيل عند فكرة اللاوعي بوصفه المنبع الحقيقي للإبداع، حين روت كيف بدأت ترسم بعفوية، قائلة: “قعدت بلشت شخبط”، في إشارة إلى أن التعبير الفني يسبق أحيانًا فهمه العقلي. لذلك تؤمن بأن الفنان ينبغي أن يفسح المجال لذاته الداخلية كي تعبّر بحرية، قبل أن يتدخل العقل لقراءة ما أنتجه الوجدان.
ومن أكثر المحطات عمقًا في حديثها، تناولها لتأثير الطفولة والأصوات التي ترافق الإنسان منذ سنواته الأولى. فبرأيها، تنطفئ شرارة الطفل كلما سمع عبارات مثل “لأ” و”ما فيك تعمل هيك”، لتتحول هذه العبارات مع الزمن إلى قيود داخلية تحدّ من حرية الإنسان وإبداعه. ومن هنا، يصبح الفن محاولة لتحرير الذات من تلك الأصوات، والعودة إلى الإنسان كما وُلد، بعيدًا عن الأحكام والخوف والتوقعات.
وفي قراءتها للعمل التشكيلي، لا يبدو الجسد عنصرًا تشريحيًا بقدر ما هو مساحة لقول الألم. فهي لا ترسم الجسد لشكله، بل لما يختزنه من مشاعر، معتبرة أن اللون أيضًا ليس مجرد عنصر بصري، بل لغة داخلية يجب أن “نسمعها” قبل أن نراها. إنها رؤية تجعل اللوحة أقرب إلى خريطة للمشاعر منها إلى مشهد مرئي.
كما كشفت إسماعيل أن الكتابة جاءت امتدادًا طبيعيًا للرسم، بعدما تحولت إلى وسيلة لمواجهة القلق والتعبير عن الهواجس الداخلية. وعن روايتها “مرايا الرحيل”، أوضحت أنها لم تُكتب بهدف السرد فقط، بل كانت مرآة احتاجت إليها لترى ذاتها، مؤكدة أن الواقع والخيال يلتقيان عندما يتعلق الأمر بالحقيقة النفسية للإنسان.
وربما بلغت فلسفتها ذروتها حين قالت: “منولد منكون كاملين… ومنصير ننقص”. ففي هذه العبارة تختصر رؤيتها إلى الإنسان، الذي يولد مكتملًا بفطرته، قبل أن تبدأ الحياة بفرض شروطها وأحكامها عليه. لذلك يصبح الفن، في نظرها، رحلة استعادة لما فُقد، لا رحلة بحث عمّا ينقص.
وفي ختام المقابلة، اختزلت فاطمة إسماعيل مشروعها الإنساني والفني كله بجملة بدت بسيطة في كلماتها، عميقة في معناها: “أنا ما بدي شي غير فاطمة.” وهي عبارة لا تعبّر عن انغلاق على الذات، بقدر ما تعلن نهاية رحلة طويلة من البحث خارج النفس، وبداية مصالحة مع الإنسان كما هو، بعيدًا عن أقنعة المجتمع وتوقعاته.
هكذا، قدّمت فاطمة إسماعيل نموذجًا لفنانة ترى في اللوحة والرواية مساحةً للتشافي قبل أن تكون مساحةً للإبداع، وتؤمن بأن أعظم الأعمال الفنية هي تلك التي تقود صاحبها أولًا إلى اكتشاف ذاته، قبل أن تصل إلى عيون المتلقين.
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني