ربّما.. لكنّي أحبّ وجهي في المرآة أكثر…
تزعجني هذه المثاليّة البلاستيكيّة جدا… وأحبّ أن أنفض عني هذا الذكاء المثاليّ القادر بكبسة زر أن يحوّلني إلى أيقونة جامدة معروضة للفرجة…
أحب تلك الشامة الصغيرة التي يخبّئها وجهي عن كلّ الكاميرات.. تلك التي لا تُرى إلا من مسافة حضن.. سرّي الصغير الذي أقيس به عيون المتلهّفين… فأركن من لا يراها في أرشيف العابثين الفاقدين متعة أن تكتشف شامة في وجه امرأة…
أحبّ تلك الحبوب الصغيرة التي تستنفر كلّما أغرقت في سهر أو حزن..
وأحبّ (وأغضب) لحبّة الأنوثة التي تطالعني كل شهرٍ.. الحبّة التي تتّصل برحمي لتذكرني بالخصب والحياة.. بالحبّ الذي آمنت به طويلا (آمنتُ آمنتُ حتّى قيلَ قد كفرا)….
وأحبّ أني امرأة تخرج لرياضتها الصباحية.. كما تخرج للحياة: بوجه حقيقي…
امرأة سكبت قلبها في وجهها… لذا يعرفني الكثيرون من لمعة العينين… واتّساع حدقتيهما في الحزن والفرح…
امرأة تصالحت مع هالَتي الركض في أروقة الحياة.. تطبطبُ عليهما بقليل من المستحضرات الجميلة كما تطبطب على قلبها المنكسر بالأيمان والأمل والكلمات…
امرأة ترقص أمام البحر.. حتى في أشد مواسم الحزن والتّعب… لكنها كلّما عادت للمرآة تحدّق في الكرتين البنيّتين المبلّلتين بغيوم الحزن والبكاء.. وتذكّر نفسها أنّها ابنة التراب… مهما أغرتها البحار والأشرعة…
امرأة.. تكره أن يصبح وجهها -وقلبها- بلاستيكيًا.. معروضًا للفرجة.. في أزمنة النقر على الشاشات…
وفي هذا الزمن الذي يحنّطنا بصور وبروفايلات وأوجه مستعارة من الروباتات.. أحبّ أنّني لا أحبّ وجهي المحنّط ذاك…
وأحبّ أكثر.. أنّي ما زلت أميّز أنّ القلب -كما الوجه- لا يُصنَع بنقرٍ على شاشة… بل بطرقٍ على باب…
أن وجهي صنعته من رحلات الاكتئاب.. ورحلات الفرح.. ورحلات الجدّ والسعي والتّعب.. ومن هذا الطواف الحثيث حول كعبة الحبّ…
وأن قلبي أيضًا.. لا يرفّ لنقر على شاشة… أو هذيان من وراء تطبيق…
وأنّني ربّما لم أمتلك المفتاح… وأني ضيّعت طرقًا طويلًا وأنا أخرج من متاهات الحبّ والأصدقاء..
لكنّي بوجهٍ حقيقيّ جدًا…
ما زلت أعرف كيف أطرق الأبواب
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني