مردوك الشامي
استضاف ملتقى حبر أبيض مساء السبت 24 تشرين الأول، الشاعرين حسين شعيب وعمران شحادة في أمسية شعرية جمعت بين الشعر المحكي والزجل والتجربة التشكيلية، بمشاركة الفنان التشكيلي أحمد خليفة الذي رافق الأمسية بريشته.
في تلك الأمسية، سجّلت الطبيعة من شجر وزهور وشتلات خضراء وملونة، إنصاتًا وهدوءًا يليقان بالشاعرين، فيما رسم الفنان التشكيلي أحمد خليفة على قماشته الطبيعة التي يتحدث عنها، خالية من الفوضى، ومليئة بأصوات رائعة لا يسمعها إلا الضالعون بالشعر.
لم تكن أمسية شعرية عادية، فكلا الشاعرين حلق عاليًا في فضاءات التجلي، في لقاء احتفى بالكلمة والصورة، وبالتفاعل بين الشاعر والمتلقي.
وكنت في موقع التقديم، وكعادتي لا أصل إلى شعراء الأمسية إلا بعد المرور عبر انكسارات العالم وخراب الكوكب.
عمران شحادة.. قصيدة مختلفة وصوت شعري متجدد
عمران شحادة، الذي أسمعه للمرة الثانية، ترك في داخلي توقًا إلى سماع المزيد منه في كل مرة يقف فيها على المنبر.
هو شاعر يفتح قواميس الحياة، ليضيف إلى قصيدته عصارة الواقع بكل ما فيه من مشهديات قد لا تلفت الكثيرين، لكنها حين يوظفها الشعر تتشكل إضافة جديدة إليه، في اللغة والصورة والموضوع.
ومن خلال ما قرأه من قصائد، وإن كانت بعضها تلامس الزجل، لتزيده شفافية وإيقاعًا وانصهارًا في المتلقين، بدا واضحًا أن عمران شحادة لا يتكئ على آخرين، كما يفعل كثيرون في المشهد المحكي المعاصر.
هو يريد قصيدة مختلفة وجديدة، ولا تستند إلى عكازات وأكتاف سابقيه، ونجح في ذلك، ليسجل حضوره الدافق على منبر البوح انسجامًا بين النص وصاحبه.
عمران شحادة، صوت شعري سيتردد صداه عاليًا في القريب.
حسين شعيب.. الشعر الذي يحمل وجع الناس
أما حسين شعيب، والذي أراه في المحكية والزجل حالة استثنائية، فتبدأ تجربته من القصيدة ولا تنتهي بحضوره الآسر الذي يجعله مميزًا عن الجميع.
قرأ حسين شعيب قصائد تمثل جراحاتنا، وتحمل وجعنا وحجم القهر الذي نعيش، وسمعت من خلال قصائده صراخ الأرض، وأنات الناس، وهمس الأمل الذي سيكبر ولن يعرف مطلقًا الإمحاء.
لقد توصل حسين شعيب إلى إقرار هويته الشعرية، وقليلون يفعلون ذلك. توصل إلى أن يبني جسرًا من نشيد وجداني شديد المتانة بينه وبين من يتابعه حين يعتلي منبر الصهيل.
فضيلة الإصغاء في الأمسيات الشعرية
وأقول على هامش ما أقول: الشاعر، أي شاعر، حين يعتلي المنبر، يكون السيد المطلق في ساحته ومساحته الخاصة. يقرأ ما يريد ويختار ما يشاء، وكلنا نحن المقبلين على سماعه، علينا التوقف عن كل شيء لمشاركته صلاته الخاصة، والإصغاء.
وأشدد على الإصغاء لهدير دمه ينساب من حنجرته ونبضه وشرايينه.
وأقول أكثر: حين تقام أمسية للشعر ونقرر حضورها، ونتكلف عناء الطريق، علينا أن نمنح صمتنا لنصغي إلى حفيف النبض الذي ينساب هامسًا من الكلمات.
وربما في ملتقى حبر أبيض، ومنذ تأسيسه قبل سنوات، لم نترك باب الحضور مفتوحًا لأي كان، مع شديد احترامنا للجميع. كان الحضور ولا يزال مقتصرًا على قلة نوجه إليها الدعوة الشخصية، لكي نحقق في أمسياتنا الإصغاء والتفاعل المرجو بين الشاعر وجمهور الأمسية.
هذه الخصوصية بنت بيننا وبين الأحبة الذين يقفون على منبرنا، والأحبة الذين يشعرون بأن هذا المطرح الصغير بيت حقيقي لهم، الثقة والمسؤولية والكثير من التميز.
فكثرة الحضور ليست مهمة على الإطلاق حين يكون الحاضرون، على قلتهم، نخبويين ومتلقين بحب.
وكنا ولا نزال نستعيض عن ملء المكان بالعدد الكبير، بنقل أمسياتنا عبر أثير إعلاميين نقدرهم، رافقونا منذ البدايات ولا يزالون معنا، وأقصد الأعزاء محمد عمرو، وإكمال سيف الدين، ويوسف رقة.

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني