علي الهادي نزها
بروميثيوس سرق النار ودفع الثمن. ومريم ميرزاده سرقت من الحياة اليومية، من الظلمة والنباح والطابور، رواية تضيء. اقرؤوها، وحين تنتهون، شاهدوا بعض هذه الأفلام أو كلها.
أعرف مريم ميرزاده (إيرانية الجنسية ولبنانية النشأة والإقامة) منذ 23 عاماً، أي منذ السنة الجامعية الأولى عام 2003. أهديت مريم، في أغلب لقاءاتنا المتناثرة على مر السنين، تفاصيلي وتحولاتي، فيما كانت لا ترد الجميل بتفاصيلها، بل تحتفظ بها لقرائها.
حين أهدتني روايتها السابقة “الطائرة الثالثة”، استعرت منها الاسم لفيلمي التجريبي، وأخذت منها صوت الطائرة وجعلته يكسر عزلة بطل فيلمي. ومريم طالبة دكتوراه في الفلسفة، ومعرفتي بخبرتها الطويلة في الترجمة والتأليف تعني أنني لا أكتب عن الرواية من مسافة محايدة، بل من حب مسبق لحضور الصوت الذي تتقنه، ولحضور الصورة الفيلمية والمقاربة الفلسفية في رواياتها.
في روايتها الأخيرة “بروميثيوس وكلاب الطريق” (دار المصور العربي)، أول ما يلفت القارئ هو العنوان. “بروميثيوس” شخصية كبرى في الأساطير اليونانية، و”كلاب الطريق” تحيل إلى التفاصيل الشيطانية في يومياتنا، التي تلتقط الكاتبة والفنانة إشاراتها.
بين الاثنين تولد الرواية: 13 قسماً عن امرأة حامل تحاول، مع زوجها، فتح طريق في جبل، وتجرب، وسط انهيار لبنان، أن تعمل وتفكر وتنام.
في المقدمة، تقول ميرزاده إن الصخور تعترض الطريق، والكلاب تنبح، لكن النار المسروقة التي وهبت للبشر “تستحق كل هذا العناء”.
لم تسم مريم في الرواية الأشياء بأسمائها، إنها تحذف وتومئ ثم تصرح، وهذا بالضبط ما يفعله السينمائي حين يترك الأهم خارج الكادر. ففي “طوابير”، عنوان القسم الثاني، تحول الطوابير إلى وصمة على الجبين، والانتظار إلى سمة. هذا حذف (قطع زمني) يتقنه من يعرف أن الصورة تقول أكثر حين تسكت.
والصوت في روايتها هو البطل: نباح الكلاب، وصرصار الليل، وطائرة المراقبة، ومولد لا يعمل، وفيروز تدندن في الصباح على الطريق. لو حولت الرواية إلى فيلم، لأصبح مصمم الصوت أهم من المصور.
المواجهة
بروميثيوس ليس واحداً. عرفته السينما فرداً متمرداً يتجلى بأشكال مختلفة: في “فرانكنشتاين” بنسخه المتعددة، و”أوبنهايمر” لكريستوفر نولان، و”كائنات مسكينة” ليورغوس لانثيموس. أما مريم فتجعله جمهوراً: في القسم الرابع، طابور طويل من “البروميثيوسيين” يعاقبهم “زيوس مجهول” لأنهم حملوا لأبنائهم رغيفاً، فتتمثل النار في الرغيف، ويكون العقاب جماعياً.
وفي القسم العاشر، تصير الأم الحامل نفسها بروميثيوس جديداً: هي من تحمل النار، أي الحياة. وبذلك تقلب الرواية “فرانكنشتاين”، حيث الخالق عالم، والخلق مرعب، والخلاص مأساوي بموت البطل. أما عند مريم فالخلق والخلاص أموميان وطبيعيان.
وربما ليس من قبيل المصادفة أن اسم كاتبتنا، مريم، هو المقابل العربي لاسم كاتبة رواية “فرانكنشتاين”، ماري شيلي. وثمة مصادفة أخرى. فقد أدى الثوران العنيف لبركان تامبورا في إندونيسيا إلى تحول أوروبا، حيث عاشت الكاتبة، إلى ما عرف بـ”السنة التي بلا صيف”. أفلا يتماثل ذلك مع الانهيار الاقتصادي وإفلاس المصارف في لبنان، بوصفهما حدثاً مفصلياً في تاريخ البلد؟
الحركة مقابل التوقف. كل عقبة في الرواية شكل من أشكال التوقف: الصخور، والطابور، والعتمة، والمصعد المعطل، والأرق. أما الحياة فهي الحفر والعمل والمشي. وقد قرأت ذلك على ضوء ثنائية جيل دولوز في كتابيه عن السينما: “صورة-الحركة” و”صورة-الزمن”. الراوية شاهدة تسمع وترى ما لا تقدر على تغييره. وحتى سيزيف تستحضره بنفسها، وتقول بسخرية مريرة إن بروميثيوس وسيزيف لم تحاصرهما كلاب مسعورة ولا قمامة.
عند كيارستمي أولاً. هذه الرواية ابنة بلدها السينمائي. عباس كيارستمي هو مظلتها الأوسع: الطريق والرحلة، والصوت خارج الكادر، والحوار الفلسفي مع تفاصيل الحياة اليومية. في “الريح ستحملنا”، شخصيات لا نراها أبداً وتظل أصواتاً، وفي “عشرة”، حوار بين أم وابنها داخل سيارة. وهناك فرق يصب في مصلحة الرواية: كيارستمي يتجنب الشرح، أما مريم فتسمي الطابور باسمه وتتفلسف بصوت الراوية. هي تقترب من أفقه ولا تقلده.
وفي قلب الرواية فيلم إيراني. في القسم الخامس، وسط عواصف شتائية تحمل أسماء نسائية، وضباب وصنوبر، تستحضر الراوية فيلم “ثلج فوق أشجار الصنوبر” (2012) لبيمان معادي، الممثل المعروف بأفلام أصغر فرهادي، والذي يعد هذا الفيلم أول أعماله مخرجاً. معلمة بيانو في الأربعين تحافظ على جمالها وزواجها، ثم يخونها زوجها. تأخذ الراوية من الفيلم فكرة الحفاظ والتغير، ثم تضيف هيراقليطس: لا تدخل النهر مرتين. والمفارقة أن كل شيء يتغير إلا وجه الشيخ الحكيم، الذي يبقى مضيئاً. والفيلم نفسه، بحسب نقاده، بالأبيض والأسود، ولا يظهر فيه الثلج إلا قليلاً في نهايته، كأن الثلج في العنوان أقوى منه على الشاشة. وكذلك رواية مريم، تبني الصورة بالإيحاء.
مكتبة في جيب الراوية. لا تكتفي ميرزاده بالأسطرة، فتستدعي إلى روايتها 12 فيلسوفاً، كأنها تفتح مكتبة صغيرة وسط الطريق. باشلار لبيت الألفة والكوخ، وبودريار لتفاهة التلفزيون والمحاكاة، وديورانت من خلال كتاب لم تتجاوز في قراءته الصفحة الخمسين، وأفلاطون لحاكم يشترط فيه أن يكون فيلسوفاً، وكانط في حديثها عن قوة الحاكم، وديكارت لقصة تكاد ترويها لابنتها، ثم لكوجيتو تتلمسه في عتمة انقطاع الكهرباء.
ويحضر كيركغارد بقفزته في قلب الظلام، وهيراقليطس بنهره الذي لا يعبر مرتين، وأرسطو بتصنيفه الحيوان أمام جثة كلب مدهوس، وسقراط بكأس السم الذي آثره على مساومة الديمقراطية، وجيل دولوز بتكرار يأتي كل مرة بجديد، وابن باجة بمتوحده الغريب بين الجهلة.
والجميل سينمائياً أن هذه الأسماء لا تأتي زينة، فكل اسم يدخل مع صورة محددة: جثة كلب فأرسطو، وعتمة فديكارت، وضباب فهيراقليطس، وتلفاز فبودريار. هي أقرب إلى مقتبسات تظهر على الشاشة في فيلم مقالي، وفي كل مرة تتعثر الفلسفة أمام الواقع: كتاب ديورانت لا يكتمل، وقصة ديكارت لا تروى، وتستغرب الراوية كيف عبر الفلاسفة الولادة كأنها غير موجودة، إلى أن تجيب حركة جنين في الأحشاء عن الكوجيتو.
الحل
أقترح عليكم أن تقرأوا الرواية قسماً بعد قسم، وأن تشاهدوا مع كل قسم فيلماً يضيء جانباً منه:
1. كلاب آخر الليل: “الريح ستحملنا” لعباس كيارستمي، عن الأصوات غير المرئية.
2. طوابير: “حياة ساكنة” لسهراب شهيد ثالث، عن الروتين والانتظار.
3. ثوار لكن فقراء: “عشرة” لعباس كيارستمي، عن الحميمية داخل مساحة مغلقة.
4. البائع البدين: “حصان تورينو” لبيلا تار، عن البقاء والعتمة.
5. بلاد العتمة: “ثلج فوق أشجار الصنوبر” لبيمان معادي.
6. كعك ساخن: “إيكيرو” لأكيرا كوروساوا، عن العمل في وجه الموت والبيروقراطية.
7. زهرة النيلوفر: “ستالكر” لأندريه تاركوفسكي، عن دليل يقود ولا يدخل الغرفة.
8. متنزه الكلاب: “طفيلي” لبونغ جون-هو، عن الخوف الطبقي.
9. عصفورة الساحات: “منظر في الضباب” لثيودوروس أنجيلوبولوس، عن رحلة وسط الضباب.
10. أنثى عظيمة: “كائنات مسكينة” ليورغوس لانثيموس، عن أنثى تبني ذاتها بالاستقلال.
11. قطاع الطريق: “الكلب الضال” لأكيرا كوروساوا، عن الفقر والعنف.
12. أنتليجنسيا: “إله أبيض” لكورنيل موندروتسو، عن قطيع من الكلاب الشاردة يجتاح المدينة.
13. مخاض الحلم: “البالون الأبيض” لجعفر بناهي، بسيناريو كيارستمي، عن سمكة ذهبية في النيروز.
وأختتم القائمة باقتراح 14 من السينما الإيرانية: فيلم «باشو، الغريب الصغير» للكاتب والمخرج بهرام بيضائي.
والآن، لماذا أنصح بقراءتها؟ لأنها تشبه فيلماً يكتب أمام عينيك: كلبة وكلب على الجبل يستمتعان بالطبيعة، بينما هي محبوسة في البيت، وعينا الزوج تتفتحان كزهرة نيلوفر تحت النور، وكلب مدهوس يصرف الزوج نظرها عنه، ثم ينتهي كل شيء بصوت: سلاسل بروميثيوس تصير طيوراً تشدو، وصخرته شجرة. وهذا يماثل الخلاص بالموسيقى التي تصدح من الترومبيت في ختام “إله أبيض”، حين تعزف صوفيا لكلبها هاغن وقطيعه من الكلاب الشاردة، فيعفو عن أبيها.
ومثل كل فيلم، فيها ما يستوقف الناقد: ربما أثقلت الراوية الحكاية بأسماء الفلاسفة، وربما انزلقت في مواضع نحو الخطابة وإطلاق الأحكام (كقولها إن أكبر الأنظمة لا تسمح بأكثر من حزبين، وهو غير دقيق)، وربما حولت الرجل السمين من رمز إلى كاريكاتير. لكن الراوية نفسها تقول “ربما أبالغ”، وتجرب أفكارها بصوت عال، كما في فيلم مقالي، وهذا ما يجعلها حية لا واعظة.
بروميثيوس سرق النار ودفع الثمن. ومريم ميرزاده سرقت من الحياة اليومية، من الظلمة والنباح والطابور، رواية تضيء. اقرؤوها، وحين تنتهون، شاهدوا بعض هذه الأفلام أو كلها.
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني