الرئيسية / آخر الأخبار / “البروفا الأولى لِحرب القبلات” للكاتبة فاتيما زهرة الماء
البروفا الأولى لِحرب القبلات للكاتبة فاتيما زهرة الماء
البروفا الأولى لِحرب القبلات للكاتبة فاتيما زهرة الماء

“البروفا الأولى لِحرب القبلات” للكاتبة فاتيما زهرة الماء

القرار – أو كيف يُصنَع الجنون الرسمي.

في قاعة تشبه رَحم الموت المُكيَّف، حيث الثريّات الكريستاليّة تتدلى كدموع مُتَحجِّرة لم تَسقُط منذ قرون. جَلَسَ الزّعماء. كانوا إثني عشر رجلاً، وامرأة واحدة، ۇضِعَت هناك فقط لإثبات أن الديمقراطيّة شاملة. كانت صامتة طوال الاجتماع، لأن الكلام، كما لُقِّنَت، لا يُمنَح إلا للذين يملكون جيوشاً.

تميَّزت الطاولة بِشَكلها البيضاويّ. لَم تَكن دائريّة الهيئة، لأن الدوائر توحي بالمساواة، وهذا خَطِر في عالم السياسة. ولَم تَكن تربيعيّة التصميم، لأن الزوايا الحادَّة تُذكِّرهم بالنعوش، وتكتسي بطابع من الشفافية. ببساطة بيضاويَّة النَّمَط، كالأكاذيب الناعمة، بلا حوافٍ يَصعب الإمساك بها.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.53 AM(4)

قال الرئيس الأوّل وهو رجل بدين يرتدي بدلة أغلى من حياة ألف إنسان: “لِنستبدِل الأسلحة بالقبلات.”

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.53 AM(5)

أومأ الزّعيم الأوّل مصدِّقاً على كلامه، وكان أصلع الرأس، كأنما فرَّ شعره منه حياءً: “أيّها السَّادة، لقد قَتَلنا ما يكفي، لِنُجَرِّب شيئًا جديداً، لِنَستَبدِل الأسلحة بالقبلات.”
خطف نائب القبيلة الضوء بتساؤله: “ولكن كيف نَقتل العدو؟”

جاء جوابُ المُستشار رزيناً: “بِنَفس الطريقة التي نُصافحه بها، قَبلَ أن نَطعنه في الظهر. الفَرق أن القبلة تعمي العينين، مِمَّا يعيق سلاسة الطعن.”
صمتوا دفعة واحدة، لا خشوعاً فلسفيّاً، بل كالهَلَع الصامت لرجلٍ يشكُّ أنه تَرَك مكواة منزله مُشتعلة.
ثمَّ صفَّقوا انصياعاً لأوَّل دروس أبجديتهم السياسيّة، أيّ:

 “إن لم تَفهَم، صَفِّق. فالتَّصفيق هو ورقة التوت التي يداري بها كلُّ سياسيٍّ عورةَ فَهْمِه.”

قَرعوا الأكفَّ حتى تورَّمت، واهمين أن وَجَع الجسد يَغسِل عار الموافقة. ثارَت عاطفة أحدهم، وكان رجلاً تَسبقه بطنُه إلى المجالس بِفارِق توقيتٍ ملحوظ، فبكى بحرارة.
سألوه: “لماذا تبكي؟”
قال:”لا أعرِف. رأيتُ الكاميرات، فَفكَّرت أن هذا موقِف تاريخيّ يَستَحِق الدموع. لأنّنا نصفِّق للكوارث، ونبكي على النجاحات.”

المُهِم…
لم تكن دموعاً حقيقيَّة. كان قد وَضَعَ قطرة عين قَبلَ الاجتماع. فالتاريخ، يُحِب الدراما.

الفيلسوف – أو الحكيم يَشرح الجنون للمجانين.

استدعوا فيلسوفاً عجوزاً، وجهه خريطة من التجاعيد، كل تجعيدة سؤال، طالَ غيابُ جوابِها. نظارته سميكة كجدار برلين، وسترته مليئة بِبقَع القهوة من حِقَبٍ مُختلفةٍ. كلُّ بقعةٍ هي أزمةٌ وجوديّةٌ مُعلَّقةٌ.
بقعة من هيروشيما.
بقعة من مأساة بوبال.
بقعة من تشيرنوبيل.
بقعة من مجاعة إيرلندا الكبرى.
بقعة من ١١ سبتمبر.
بقعة من قوارب الموت في المتوسط.

سألوه: “ما الفرق الجوهريّ الفلسفيّ بين الرصاصة والقبلة؟
أشعل غليونه، مع أن التّدخين ممنوع، لكن الفلاسفة، مثل الطغاة، لا يأبهون بالقوانين الصغيرة.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.55 AM
ردّ: “الرصاصة صادقة، تَختَرِق الجَسد مَرَّة واحدة، تَقتل بوضوح، و بنزاهة تكاد ان تكون أخلاقيّة. تُنهي الحياة بلا غموض، بلا التباس. موتٌ مكشوف لا يَترك مساحة للشّك. أنت ميّت، وقاتلك يَقِف شاهداً على فعلته. هذا الوضوح الأخلاقيّ في الرصاصة، يُقونن مفهوم النزاهة الوحشيّة.”
توقَّف قليلاً ونَفَث دخاناً كثيفاً.
وأضاف: “والقبلة؟ مُجرَّد كذبة جميلة. تتسلًّل عبر الشفاه نحو الدماغ، تَتركك تموت كلّ يوم قليلاً من الشّوق، شذراً من الندم، وذرّةً من الوَهم بأنَّ هناك معنى لكل هذا. تَمنَحك الأمل، والأمل، يا سادة، هو أقسى أشكال التَّعذيب. فهي خاويةٌ على عروشها، سوى من رطوبةٍ غافيةٍ على الجلد، سرعان ما ستأكلها يَدُ الوقتِ وتجفُّ.

الرصاصة تُسدِل الستار، والقبلة تُؤبِّد فصلاً رديء التأليف.

أمّا في عُرف الجنرال، ذاك الوجه الحجريّ، والعينان اللتان ماتتا في الحرب العالميّة الثالثة، والصَّدر المُثقَل بأوسمةٍ نال نصفها زوراً: “هذا تعقيدٌ لا يَخصّنا يا حكيم، نحن أهل الميدان. نَضغط الزناد، يَسقط الجَسد، نَرفع تقريراً من ثلاث صفحات، فننال ترقية، وفيلّا صغيرة على الريفييرا. عزاؤنا موتٌ دافئ، في أسرّةٍ مَسكونةٍ بأطيافِ معاركٍ خَلَت من الهزائم.”

ألقى الفيلسوف في وجهه رداً تَسخيفياً، رخيصاً وبارداً كَمَنطقه:
“القبلةُ أيضاً بسيطة، تَقترب، تُغلق عينيك، تَضع شفتيك على شفتي الآخر، وتَلتَحم به. تدعو سراً ألّا يكون قد تذوَّق ثوماً، وتتمنّى أن يوقِظ فيك الأمرُ شعوراً، أيَّ شيء، حتى لو انتهى باكتئابٍ واشمئزاز. على الأقل، حاسَّة النّفور في النهاية وثيقةٌ تُثبِت أنّك لست جثة.”
لَحِقَ بالجنرال صمتٌ عابر، قبل أن يرمي ردَّه: “خطيئتكم كفلاسفة هي تضخيم البسيط. القتلُ فعلٌ أوليّ، والحب لغزٌ متشابك، لِذا نَبرَع في حَصد الأرواح، ونَفشَل في كَسب القلوب.”

 القبلة تَظلّ عالقة في الذّاكرة كَشَظيَّة لا تُستَخرَج.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.54 AM(3)

مسرحيّة العَبَث على الجبهة- أو موت بالحَرَج.

على طبقاتٍ جيولوجيّة من دماءِ الأسلاف، وفي حقلِ قمحٍ غدا ساحةً للموت، تلاحمت صفوفُ الجنود. بزّاتٌ نمطيّة تحجبُ الإنسانيّة وتصُدُّ العاطفة، تُوِّجَت برباطاتِ عنقٍ وردية عابثة، مكتوب عليها ‘قوات السَّلام الحميميّ‘. لم تكن الأسلحة جزءاً من عتادهم، بل استعاضوا عنها بمطهّرات الفم، ومعاجين الأسنان، ومرايا جَيبٍ صغيرة، لضمان مظهرٍ أنيق يتماشى مع معركة القبلة المنتظرة.”

أَقبَل القائد حاملاً دليله العسكري الجديد، كتابٌ يحمل عنوان ‘فن الحرب الناعمة‘. هذا الخمسينيّ الذي أفنى ثلاثة عقود من عمره يتعلم فنون القَتل، يَجِد نفسه اليوم مُجبَراً على إتقان ‘فن القبلة‘. رَمَق جنوده وصاح بملء صوته: “تَقدَّموا وقَبِّلوا العدو، هذا أمر عسكري.”
تقدَّم جندي شاب، اسمه كان على بطاقته أحمد. لكن لا أحد يتذكَّر أسماء الجنود. كان عمره تسعة عشر عاماً، لم يَزل وجهه يَحتفظُ بجمالِ طفولةٍ لم يُمهِلها الوقتُ لِتَكتَمِل. كان يَقِف قبالة جنديٍ من الطرف الآخر؛ عصام، صلاح، أو جون، لا فَرق، فالأسماء تَفقد معناها هنا. كلهم يتطابقون حين يتلفعون بالخوف، أو عندما يجتاحهم الذعر الوجوديّ. يغدون نسخاً مكرَّرة لضحايا يُساقون قسراً لاقتراف أفعالٍ تَصطَدم مباشرةً مع جوهر غرائزهم الإنسانية. ففي عينيّ أحمد، رأى عصام أمه. وفي عينيّ عصام، رأى أحمد أخته.
قال أحمد: “هل يجب أن نفعل هذا؟”
قال عصام: “لا أعرف. أنا فقط أنفِّذ الأوامر.”
اقتربا ببطء، كأنّهما يمشيان نحو حافة هاوية. أغلقا أعينهما، قبَّلا بعضهما على الخد. قبلة سريعة، جافّة، مُرتبِكة،  مِثلَ اعتذار عن جريمة لم تُرتَكب بعد، أو كقبلة الخائن ليهوذا، أو ربّما كقبلة الأُمّ المشغولة لِطفلها قَبلَ أن تذهب إلى العمل.
ثم سقطا. ليس من رصاصة، بل من الحَرَج. قلباهما توقَفا ليس من الحب، بل من العار. عار أن تقبِّل رجلاً لا تعرفه، أمام رجال يُراقبونك، في حرب لا تَفهَمها، من أجل سلام لا يُصَدّقه أحد
في تقرير رسميّ كُتِبَ عليه:

 استشهد الجنديان أحمد وعصام، في أوَّل عملية سلام حميميّ. ماتا بشرف.
لم يُكتَب أنّهما ماتا من الخَجَل. فالخَجَل لا يُعتَبَر سبب وفاة رسميّ، فهو ليس بطولياً بما يكفي.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.53 AM(8)

في الحرب الثانية، حاولوا تطوير التكتيك، قبَّلوا على الجبين بدلا من الخد، مات سبعة جنود من الإحراج. قبَّلوا  بعضهم على اليد .

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.54 AM(1)
مات عشرة من الارتباك الفلسفيّ حول معنى الفروسية في عصر ما بعد الحداثة.
قال أحد الناجين: “أورثونا القتل رضعاً، وسألونا السلام كهولاً، عبثاً تُقنِع ذئباً بقداسة المروج.”

معاهد التدريب – أو كيف تَصنَع قائداً حنوناً

أُنشِئَت أكاديميّات عسكريّة جديدة على بوّاباتها الحديديّة كُتِب بِخَط ذهبي، ‘معهد الحرب الناعمة، حيث نَصنَع السّلام بالقوَّة.’
مع تباشير الفصل الأول، اتخذ المُدَرِّب موقعه، تاركاً خَلفه إرثاً دموياً من الحروب السابقة، كقنَّاص مُحتَرِف، حصد خلالها خمسة وسبعين قتيلاً.
صرَّح بِحَزم: “القبلة ليست عاطفة، إنها سلاح، يجب أن تكون حاسِمة، سريعة، فعّالة، فتَّاكة، بلا مشاعر. تُقَّبِل بِدَم بارد، مع قلب أكثر صلابة. أيُّها المقاتلون، قبلة ۄاحدة في المكان الصحيح، يُمكنها أن تُحطِّم معنويات العدو.”
رفع أحد المُتدرِّبين يده. كان شاباً نحيلاً، عيناه تحملان براءة لم تُدنَّس بعد. قال:”سيدي، ماذا لو أحببت العدو؟”
نَظَر إليه المُدرِّب كأنَّه يَنظر إلى خائن. ثمَّ نظر إلى السقف كأنه يبحث عن إجابة كتبها الله هناك ونَسيَ أن يقرأها: “إذا أحببت العدو، سَيَتمّ إعدامك. لكنّنا سنُقبّلك أولاً، فكلُّ فظائعِنا اليومَ تبدأُ بقبلة. أن تُحِب يعني أن تخون العقيدة العسكرية. التعاطف مع العدو يجرِّدك من بزَّتك الرسميّة ليعيدك إلى آدميتك الأولى.”

في الدّرس الثاني، تَعلَّموا ‘القبلة التكتيكيّة’. قبلة سريعة على الخد الأيسر لإرباك العدو، ثم قبلة على الجبين لتحييده نفسِيّاً
في الدَّرس الثالث، تعلَّموا ‘القبلة الاستراتيجيّة’. قبلة طويلة على الشفاه لتدمير معنويّات العدو، وجعله يَشَكِّك في هويته الجنسيّة، وانتمائه الوطنيّ.

في الدرس الرابع، انتحر المُدَرِّب، تاركاً رسالة فيها كلمة واحدة: “لماذا؟”

في نهاية الدورة، تَخرَّج مئتا مقاتل. أُرسِل عشرون إلى الجبهة، وعاد اثنان فقط.
سُئلا: “أين الباقون؟”
قال الأول بصوتٍ خَنَقَه البكاء: “ثمانية وقعوا في الحب مع العدو و هربوا معاً إلى سويسرا.”
عقَّب الثاني وسط نوبة ضحكٍ هستيرية: “عشرة انتحروا، قالوا إنهم لا يستطيعون تقبيل رجال لا يعرفونهم، هتفوا في آذاننا
أن الموت أشْرَف.”
تكلّم الثالث: “وهناك من سقطوا في فخ الفكرة؛ أحبّوا ‘الحب’ لا أكثر. حزموا حقائبهم نحو أرضٍ محايدة. وفي آخرِ رصدٍ لتحركاتهم، تبيَّن أنهم يديرون حانةً صغيرة تحت مسمى ‘قبلة السلام’، يبيعون فيه قهوةً رديئة، ويقرؤون شِعراً أشدّ رداءة.” “إذا كان أولئك قد هربوا، فلماذا عدتما أنتما؟” جابههما الاستفهام المُرّ.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.55 AM(1)

امتزج بكاء الأول بضحك الثاني وهما يجيبان معاً: “لأنّنا لم نتلوَّث بالحب ولا بالقتال. كل ما في الأمر، أنّنا اختبأنا في خندق حتى انتهت الجولة الأولى من الحرب.”

الاقتصاد vs الشعر vs انهيار المعنى.

في بورصة وول ستريت، حيث الأرقام أهم من الأرواح، انهارت أسهم شركات الأسلحة.
‘لوكهيد مارتن-Lockheed Martin‘ خسرت %٧٠ من قيمتها. ‘بوينغ-Boeing‘ أعلنت إفلاسها.
‘رايثيون-Raytheon‘ حوَّلت مصانعها إلى إنتاج الحُمرة، وملمّس الشفاه أي الــ Lip Gloss.
والبعض الآخر من الخبراء الإحصائيين، ومُستشاري البيانات في  ناسداك ‘NASDAQ‘، حيث تُباع الأرواح بالجملة وتُشتَرى الضمائر بالتقسيط، انهارت أيضًا.

مديرو الشركات، قفزوا من النوافذ ليس انتحارًا، بل محاولة يائسة للطيران بعيداً عن الخسائر.
ارتفعت أَسهُم العطور ومعاجين الأسنان. ثم انهارت هي أيضًا، لأن الجنود اكتشفوا أن القبلات خلال الحرب، لا تحتاج إلى مكياج. القبلة العسكريّة، صريحةٌ في عريها، مخلصةٌ في ادعائها، فاتنةٌ في تشوّهها، تجعلك تتذوق مرارة الموقف وتتساءل بابتسامة: كيف للمرارة أن تكون بهذه اللذة؟”

أطلّ خبير اقتصادي على الـCNN، بربطة عنق حمراء فاقعة، وبملامح باهتة ومقفرة كميزانية دولةٍ على حافة الإفلاس. بدا وجهه المُنهَك كأنه يَختَزل كل كوارث التضخّم والدين العام، ثمَّ نفث كلماته: “المشكلة الأساسيّة أن القبلات لا يمكن تصديرها. لا يمكنكم شحن قبلة في حاوية، لا يمكنكم فرض ضرائب على الحنان، ولا يمكنكم احتكار العاطفة الرأسماليّة التي تَعتَمد على تحويل كل شيء إلى سلعة. ما نَشهَده اليوم هو تسليع كامل للوجود، وانحدار بالقيم الإنسانيّة إلى قاع الماديات المٌبتذَلة. الآلة الرأسماليّة لا تفهم العواطف؛ هي تحتاج إلى سلع ملموسة كالرصاص، والدبابات، والصواريخ لتحريك عجلة أسواقها. أما القبلات والمشاعر فهي قِيَم هلامية غير قابلة للقياس الكميّ، وبما أنها لا تُحقِّق عائداً ربحياً، فلا مكان لها في حسابات الحرب.”

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.53 AM(1)

قاطعه المذيع متسائلاً: “ولكننا ننجح في تَسليع الحب وتحويله إلى أرباح عبر الأفلام والموسيقى؟”
فعلّق الخبير ببرود: “هناك فرق. ذلك حب زائف للاستهلاك الفردي البسيط. أمّا ما نتحدّث عنه هنا، فهو تزييف مؤسّساتيّ، نظاميّ، وبيروقراطيّ تديره الحكومات. وهذا النمط من الزيف الجاف غير قابل للتداول في السوق، ولا يمكن جني الأرباح منه.”

الشعراء أو رثاء الاستعارة المسروقة.

على ضفاف مقهى قديم، حيث الجدران مغطاة بصور شعراء موتى، اجتمع الشعراء. كانت تَختَلِط رائحة القهوة برائحة اليأس والسجائر الرخيصة. التحفوا بالأسود، ليس حِداداً على أحد، بل لإخفاء رذاذ النبيذ الرخيص.
الأوَّل، كان شاعراً رومانسياً، لم يعرف مداده سوى التّغني بالقبلات، وحين تكلَّم قال: “عَسكروا عواطفنا وحوَّلوا القبلات إلى أدوات للبطش. كيف للغة أن تتنفّس وسط هذا الحصار؟ قبَّلتها بوجل جندي يصافح غريمه قبل المعركة؟ هذا ليس شعراً، هذا بيان غزو عسكريّ.”

قال آخر: “وهو يحدِّق في فنجان قهوته، كأنَّه يقرأ مُستَقبلاً أسود: “سرقوا مِنَّا القبلات، آخِر استعارة نَملكها، وقَتلوها، وقَتْل الاستعارة أخطر من قَتْل الإنسان. الإنسان يموت مَرَّة، أمَّا الاستعارة فتموت مراراً في كل قصيدة لن تُكْتَبْ أو كُتِبَتْ.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.55 AM(2)

أجابه الآخر بنبرة مُستَهلَكة، كأن الحروف تَخرج من حنجرته بجهد جهيد: “حتى الموت لن يَسلم من سرقتهم، سيعيدون صياغته لِيصبح مجرَّد مخرج طوارئ سياسيّ، أو تصفية رقميّة للأزمة الديموغرافيّة.”

ثالثٌ أضاف، وكان شاعراً عدميّاً: “عساه خيراً، لعلها إشارة لِنهجر الحبر. فالشعر خطيئة من نور، والدنيا باتت تضيق بالجمال. يريد العالم وجه الحقيقة العاري، والحقيقة شوهاء، دامية، ومنزوعة القوافي.”

كتبوا قصيدة احتجاج من ٥٣ صفحة، مليئة بالإشارات الأدبيّة. نشروها على الإنترنت. حصلت على ثلاثة إعجابات، اثنان من أمهاتهم، وواحدة من روبوت.

الفشل أو الاعتراف بالجنون

نصفُ عامٍ تولَّى، لِتعود الوجوه ذاتها وتتحلَّقَ حول الطاولة في قاعة الاجتماع الطارئ، حاملةً على ملامحها آثارَ ذبولٍ وتجاعيد لَم تكنْ بالأمس.
قال الزّعيم الاوَّل الأصلع وهو يُشعِل سيجاراً كوبيّاً: “القبلات فَشلَت. العدو ما زال عدواً. الحدود ما زالت حدوداً. الكراهية ما زالت كراهية، بل ازدادت. لأننا نكره بعضنا حباً، ونبغض بعضنا وصلاً، وهذا هو الجحيم عينه.”
أضاف الرئيس الأوَّل، وكان يرتدي نظّارة شمسيّة داخل القاعة، لأنه لا يريد أن يرى وجوه زملائه: “المشكلة الجوهريّة أننا عَسْكَرنا الحميميّة، فكانت قبلاتنا مدفوعة بجرعات من السموم النفسية المتبادلة.”

 “كنَّا نُقَبِّل بنفس الطريقة التي نوقِّع بها معاهداتِ السَّلام، يدٌ على الزِّناد ويدٌ على الورقة.”

والمرأة الوحيدة التي تمّ إشراكها في الاجتماع الأسبق كأداة دعائيّة لإبراز شموليّة الديمقراطيّة، التي حُرِمت سابقاً من المشاركة الفعليّة، بناءً على قناعة مُلقَّنة بأن التأثير السياسيّ وصناعَة القرار حكرٌ على الرجال وعلى مَن يملكون النفوذ العسكريّ. فَبَعد دهرٍ من الخَرس الاختياريّ، بقَّت البحصة بنبرة واعظ، وبنصيحة لوجه الله: “القبلة محراب وعبادة، تذوي وتموت إن لم يُحيها صدق الشعور.”
المُستشار، وهو الأكبر عمراً والأكثر تَعباً ردّ: “أو ربما المشكلة أعمق. ربما القبلة، مثل الرصاصة، تحتاج إلى هدف. وكل أهدافنا كانت خاطئة منذ البداية. كنَّا نُقبِّل لننتصر، لا لِنُحِب، نَقټل لِنَهزم، لا لِنُسالم. ثمَّ تساءلنا لماذا فَشلنا.”

صَمت طويل. صَمت حقيقيّ هذه المَرَّة. صَمت من يواجه حقيقة مؤلمة.

بعدها قال الأول: “لِنُصوِّت. من يريد العودة إلى الأسلحة؟”

رفع الجميع أيديهم، بسرعة، بارتياح، كَمَن يعود إلى بيته بعد رحلة فاشلة.

عقّب أحدهم وهو يبرم اتفاقية العودة إلى الصراع العسكري المباشر: “يمتاز الموت بالرصاص بنزاهة وجودية وكرامة حاسمة. في حين أن القبلة تذبح اليقين وتتركك في ارتياب دائم: هل هي تجسيد للوصل أم قناع للمؤامرة؟ وهل تقلدت دور الضحية أم انغمست في التواطؤ؟”

صمتوا مجدداً. صَمت ثقيل، كأنَّه صَمت قبر جماعيّ. ثمَّ صوَّتوا بالإجماع على ‘العودة إلى الأسلحة’.

الأدراج أو متحف الأحلام الميّتة

في مستودع حكوميّ في قبو تحت اﻷرض٬ حيث ﻻ تَصِل الشمس إليه ولا الأمل، وُضِعَت القبلات في صناديق كرتونيَّة كُتِبَ عليها بخط يَدويّ مُرتَجِف:
مشروع السلام الحميميّ/فاشل – شباط ٢٠٢٦.
بجانبها، صناديق أخرى، مكدَّسة فوق بعضها البعض كجثث في مقبرة جماعيَّة:
معاهدة جنيف/١٩٤٩/معلَّقة.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان/ ١٩٤٨/قيد المراجعة.
اتفاقيَّة حقوق الطفل/١٩٨٩ غير ملزمة.
بروتوكول كيوتو/١٩٩٧ ملغى.
العدالة/تاريخ غير مُحَدَّد/مؤجَّلة إلى أجل غير مُسمّى.
العدالة الاجتماعية/ تاريخ غير مُحدَّد/مُلغى/ السبب: تهديد للنظام.
الأمَل/تاريخ الإنتاج مجهول/ تاريخ الانتهاء أَمس.
الحب الحقيقيّ/منذ بداية التاريخ مؤجَّل إلى إشعار آخر.

جاء موظَّف عجوز لإغلاق المستودع، كان قد عمل هنا أربعين عاماً، يَحرس الأحلام الميّتة. نظر إلى الصناديق، وتَمتَم:
كل شيء هنا، كل الأشياء الجميلة التي اخترعناها ولم نستَخدمها، كل الوعود التي قطعناها ولم نفِ بها.
أخرج سيجارة، أشعلها رغم أن التدخين ممنوع في المُستودع. “من سيعاقبني؟ الله؟ هو نفسه تَخلّى عن هذا المكان منذ زمن.” هَمَس ضميره.
أطفأ النور، أغلَق الباب الحديديّ، سِمع صوت الصدأ يَصرخ.

WhatsApp Image 2026-06-13 at 5.55.53 AM

في الخارج، كانت الحرب قد بدأت من جديد، هذه المرّة، بأسلحة أكثر تطوراً. صواريخ أذكى، طائرات بدون طيّار، قنابل نظيفة لا تترك دماً، فقط رماد.
 وأعذارا أكثر إقناعاً.

شاهد أيضاً

التشكيلية هبة برّو

التشكيلية هبة برّو تشارك بعمل فني مميز في معرض LAU ACE الفني في وسط بيروت

شاركت عضو ملتقى الألوان الفنانة التشكيلية هبة برّو في معرض LAU ACE الفني الذي أُقيم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *