في المشهد التشكيلي البحريني والخليجي، تبرز الفنانة التشكيلية الدكتورة سلامة محمد حسن الحدي بوصفها تجربة تجمع بين العمق الأكاديمي والرؤية الجمالية، حيث تمتزج المعرفة العلمية بالحس الإبداعي لتصوغ مشروعًا فنيًا يحمل هوية خاصة. فهي حاصلة على درجة الدكتوراه في الإعلام وعلم الاجتماع، وعضوة في جمعية البحرين للفنون التشكيلية ومجموعة رسامي الخليج، وقد نسجت عبر سنوات طويلة مسيرة فنية زاخرة بالمشاركات المحلية والدولية، متنقلة بأعمالها بين البحرين وفرنسا وتركيا وقطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة، فضلًا عن معارضها الشخصية والجماعية التي كرّست حضورها في الساحة التشكيلية.

ولم يكن تتويجها بالميدالية الذهبية من عمدة مدينة فالِس الفرنسية عام 2024 سوى محطة تؤكد المكانة التي وصلت إليها، بعد تجربة آمنت فيها بأن الفن ليس تكرارًا للمشهد، بل إعادة اكتشاف للعالم عبر اللون والخط والروح.
المنبع الأول لهويتها الفنية
وفي حديث خاص لصحيفة ملتقى الألوان، استعادت الدكتورة سلامة الحدي البدايات الأولى لعلاقتها بالخيل، مؤكدة أن هذا الكائن لم يكن مجرد عنصر بصري في لوحاتها، بل شكّل المنبع الأول لهويتها الفنية.
وتقول د. سلامة: “لم يكن اختياري للخيل في بداياتي الفنية اختيارًا عابرًا، بل كان امتدادًا لعلاقة وجدانية مع هذا الكائن النبيل الذي يجمع بين القوة والرقة، والكبرياء والوفاء. كنت أجد في تفاصيله وحركته إيقاعًا بصريًا يفتح أمامي أبواب التأمل، حتى أصبحت الخيل اللغة الأولى التي عبّرت بها عن نفسي.”

وتوضح أن بداياتها جاءت من المدرسة الواقعية، حيث أولت اهتمامًا كبيرًا بدراسة تشريح الخيل وحركتها ونِسبها، معتبرة أن المعرفة الدقيقة بالشكل هي الخطوة الأولى نحو تجاوزه وإعادة صياغته.

وتضيف:”كنت مؤمنة بأن الفنان لا يستطيع أن يختزل الشكل أو يعيد بنائه إلا بعد أن يتقنه. لذلك كانت الدراسة الأكاديمية للحركة والتشريح أساسًا منحني الثقة، ومهّدت الطريق أمام تطور تجربتي الفنية.”
اللوحة تبحث عن الطاقة الكامنة في الشكل
ومع نضوج التجربة، بدأت رحلة التحول من تسجيل الملامح إلى البحث عن المعنى، لتنتقل أعمالها تدريجيًا نحو فضاءات التجريد والتكعيبية، حيث لم تعد اللوحة تكتفي بوصف الشكل، بل أصبحت تبحث عن الطاقة الكامنة فيه.
وتقول:”لم يعد يشغلني أن أنقل ما تراه العين، بل ما تشعر به الروح. أصبحت أتساءل: كيف يستطيع خط واحد أن يروي حكاية؟ وكيف يمكن للون أن يحمل إحساسًا كاملًا؟ ومن هنا بدأت أتعامل مع الشكل بوصفه فكرةً ومشاعر، لا مجرد صورة مطابقة للواقع.”
روح الخيل تبقى حاضرة
ورغم هذا التحول الأسلوبي، تؤكد الحدي أن الخيل ما زالت تسكن أعمالها، حتى عندما تغيب ملامحها المباشرة، لأنها أصبحت رمزًا داخليًا أكثر منها موضوعًا خارجيًا.
وتتابع:”الخيل لم تغادر لوحاتي يومًا، لكنها تحولت إلى رمز للقوة والعزة والحرية والسمو. قد لا تظهر بصورتها الكاملة، إلا أن روحها تبقى حاضرة بين الخطوط والمساحات والألوان.”
الفنان الحقيقي لا يعرف الثبات
وترى أن الفنان الحقيقي لا يعرف الثبات، بل يظل في حالة بحث دائم عن لغة أكثر صدقًا وخصوصية، معتبرة أن كل مرحلة فنية ليست نهاية لما قبلها، وإنما امتداد طبيعي لها.
وتختم حديثها لصحيفة ملتقى الألوان بالقول:”الخيل كانت بداية الحكاية، لكنها لم تكن نهايتها، بل كانت الجسر الذي عبرت من خلاله إلى عالمي التشكيلي الخاص. وما زلت أطمح إلى تقديم أعمال تنطلق من الهوية البحرينية والخليجية، وتستلهم التراث بروح معاصرة، لأن الفن في جوهره لغة إنسانية قادرة على تجاوز الحدود، والوصول إلى قلب الإنسان أينما كان.”

التشكيلية د. سلامة الحدي
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني