بَيْنَمَا كَانَ الْوَزِيرُ مُسْتَرْخِياً عَلَى كُرْسِيِّهِ الْجِلْدِيِّ، اسْتَفَاقَ مِنْ غَفْوَتِهِ، لِيَجِدَ كَوْكَبَ الْأَرْضِ قَدْ تَقَلَّصَ لِيَغْدُوَ مُجَرَّدَ كُرَةٍ تَمْلَأُ مِسَاحَةَ غُرْفَةِ مَكْتَبِهِ. رَفَعَ سَمَّاعَةَ الْهَاتِفِ وَالذُّعْرُ يَأْكُلُ نَبَرَاتِهِ: “لَقَدْ تَضَخَّمَتِ الْكُرَةُ، مَا هِيَ خُطْوَتُنَا التَّالِيَةُ؟”

أَجَابَهُ الْمُسَاعِدُ بِبُرُودٍ إِدَارِيٍّ مُعْتَادٍ: “مَعَالِي الْوَزِيرِ، الْإِجْرَاءُ السَّلِيمُ يَقْتَضِي أَوَّلاً تَشْكِيلَ لَجْنَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ لِبَحْثِ أَبْعَادِ الْمَوْقِفِ.”
بَعْدَ مَخَاضٍ دَامَ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ مِنَ الِاجْتِمَاعَاتِ، أَصْدَرَتِ اللَّجْنَةُ تَقْرِيرَهَا النِّهَائِيَّ؛ حَيْثُ رَأَتْ أَنَّ حَجْمَ الْأَرْضِ طَبِيعِيٌّ تَمَاماً، لَكِنَّ مِسَاحَةَ الْمَكْتَبِ هِيَ الَّتِي تَضَاءَلَتْ، وَأَوْصَتْ بِتَوْسِيعِ مَقَرِّ الْوَزِيرِ عِوَضاً عَنِ التَّدَخُّلِ فِي حَجْمِ الْكَوْكَبِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، وَاجَهَ قَرَارُ التَّوْسِعَةِ شُرُوطاً تَعْجِيزِيَّةً تَمَثَّلَتْ فِي:
١. مُوَافَقَةِ لَجْنَةِ الْمَبَانِي الْحُكُومِيَّةِ.
٢. تَصْرِيحٍ مِنْ وِزَارَةِ الْأَشْغَالِ.
٣. اسْتِشَارَةِ خَبِيرِ “فِنْغ شُوِي” مُعْتَمَدٍ (Certified Feng Shui Consultant).
٤. طَرْحِ الْمَسْأَلَةِ لِلِاسْتِفْتَاءِ الشَّعْبِيِّ، لَكِنْ تَمَّ سَحْبُ الْفِكْرَةِ فَوْراً لِأَنَّ التَّوْقِيتَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ.
٥. دِرَاسَةِ الْأَثَرِ الْبِيئِيِّ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْجِلْدِيِّ.
صراع الكرات: بين براءة الأطفال وقسوة السلطة
بَيْنَمَا امْتَلَأَتِ الْأَزِقَّةُ بِجُمُوعِ الْمُوَاطِنِينَ وَهُمْ يَتَقَاذَفُونَ كُرَاتٍ مِجْهَرِيَّةً بِحَجْمِ حَبَّاتِ الْحِمَّصِ، بَعْدَ أَنْ صُودِرَتِ الْكُرَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ لِدَوَاعٍ أَمْنِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، انْطَلَقَ صَوْتُ طِفْلٍ يَسْأَلُ أَبَاهُ بِعَفْوِيَّةٍ عَنْ سَبَبِ حِرْمَانِهِمْ مِنَ اللَّعِبِ بِكُرَةٍ كَبِيرَةٍ، لِيُسَارِعَ الْأَبُ بِرَصْدِ الْمَارَّةِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَيَكْتُمَ صَوْتَ صَغِيرِهِ قَائِلاً: “اشْشْ، الْكُرَاتُ الْكَبِيرَةُ تَصْنَعُهَا السُّلْطَةُ لِلْكِبَارِ فَقَطْ، وَنَحْنُ الصِّغَارُ يَكْفِينَا هَذَا الْحِمَّصُ.”
نَامَ الطِّفْلُ وَحَيْرَةُ الْحِمَّصِ تُؤَرِّقُهُ، فَظَلَّ عَقْلُهُ عَاجِزاً عَنْ هَضْمِ هَذِهِ الْمُعَادَلَةِ الْغَرِيبَةِ؛ كَيْفَ لِبَرَاءَةِ اللَّعِبِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَحْظُورٍ أَمْنِيٍّ؟ لَكِنَّهُ اسْتَيْقَظَ لِيَجِدَ الْوَاقِعَ أَمَرَّ وَأَقْسَى. فِي الْمَدْرَسَةِ، وُفِّرَ عَلَيْهِ عَنَاءُ السُّؤَالِ؛ إِذْ كَانَتِ الْمَاكِينَةُ التَّعْلِيمِيَّةُ قَدْ أَعَدَّتْ رَدَّهَا الْمُعَلَّبَ مِسْبَقاً. اعْتَلَتِ الْمُعَلِّمَةُ مَكَانَهَا خَلْفَ طَاوِلَتِهَا الْمَكْتَبِيَّةِ، وَأَعْلَنَتْ بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ: “يَا أَطْفَالُ، الْكُرَةُ رَمْزٌ وَطَنِيٌّ وَلَا يَجُوزُ اللَّعِبُ بِهَا إِلَّا بَعْدَ الْحُصُولِ عَلَى:”
١. شَهَادَةِ حُسْنِ سِيرَةٍ وَسُلُوكٍ.
٢. دَوْرَةٍ تَدْرِيبِيَّةٍ فِي أَيْدِيُولُوجْيَا الرَّكْلِ الْوَطَنِيِّ.
٣. اجْتِيَازِ امْتِحَانٍ نَظَرِيٍّ وَعَمَلِيٍّ فِي فِقْهِ الْمُوَاطَنَةِ الرِّيَاضِيَّةِ.
٤. بُلُوغِ سِنِّ الْخَمْسِينَ، مَعَ تَقْدِيمِ بَيَانٍ مَالِيٍّ يُثْبِتُ إِنْفَاقَ نِصْفِ الرَّاتِبِ التَّقَاعُدِيِّ عَلَى أَدْوِيَةِ الضَّغْطِ وَالسُّكَّرِيِّ قَبْلَ لَمْسِ الْكُرَةِ.

رَفَعَتْ إِحْدَى التِّلْمِيذَاتِ يَدَهَا وَشَقَّتْ صَمْتَ الصَّفِّ قَائِلَةً: “لَكِنْ يَا مُعَلِّمَتِي، فِي الْخَمْسِينَ لَا أَحَدَ يَرْكُضُ.” سَادَ هُدُوءٌ ثَقِيلٌ، ثُمَّ عَلَّقَتِ الْمُعَلِّمَةُ بِرَصَانَةٍ رَسْمِيَّةٍ: “هَذَا هُوَ بِالضَّبْطِ هَدَفُ الدَّوْلَةِ.”
الانقسام الدولي حول هوية الكرة
حِرْصًا عَلَى رَاحَةِ الْمَوَاطِنِ النَّائِمِ، حَذَّرَتِ الْحُكُومَةُ فِي بَيَانٍ رَسْمِيٍّ مِنَ الْمَخَاطِرِ الْأَمْنِيَّةِ لِـ الْكُرَاتِ الْكَبِيرَةِ، مُشِيرَةً إِلَى إِمْكَانِيَّةِ اسْتِغْلَالِهَا مِنْ جَمَاعَاتٍ إِرْهَابِيَّةٍ، أَوْ أَطْفَالٍ يُمَارِسُونَ اللَّعِبَ بِلَا تَرْخِيصٍ. وَتَزَامَنَ هَذَا الْمَوْقِفُ الْمَحَلِّيُّ مَعَ انْقِسَامٍ حَادٍّ دَاخِلَ مَجْلِسِ الْأَمْنِ الدَّوْلِيِّ حَوْلَ الْهُوِيَّةِ الْهَنْدَسِيَّةِ لِلْكُرَةِ؛ حَيْثُ أَصَرَّتْ مُوسْكُو عَلَى أَنَّهَا مُرَبَّعَةٌ، وَتَمَسَّكَتْ وَاشِنْطُنُ بِالرَّأْيِ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا مُثَلَّثَةٌ، بَيْنَمَا اكْتَفَتِ الصِّينُ بِالِابْتِسَامِ وَاسْتِمْرَارِ إِنْتَاجِهَا لِلْكُرَاتِ بِكُلِّ الْأَشْكَالِ الْمُمْكِنَةِ.
أَمَّا فَرَنْسَا فَقَدْ دَعَتْ إِلَى ’فَرْنَسَةِ‘ الْمَشْهَدِ بِاقْتِرَاحِ وَرَقَةِ ’الرَّغْبِي الْبَيْضَاوِيَّةِ‘ كَحَلٍّ وَسَطٍ، مِمَّا دَفَعَ بِرِيطَانْيَا لِإِعْلَانِ حَالَةِ الطَّوَارِئِ الْعُظْمَى تَنْدِيدًا بِـ ’الْقَرْصَنَةِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ لِلرَّغْبِي‘ عَلَى تَارِيخِهَا. وَفِي الْمُقَابِلِ، غَادَرَتْ أَلْمَانْيَا الْقَاعَةَ لِإِنْشَاءِ لَجْنَةٍ فَرْعِيَّةٍ لِدِرَاسَةِ الْجَدْوَى الْهَنْدَسِيَّةِ لِلْمُقْتَرَحِ تَسْتَمِرُّ لِعَقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ. عَلَى الْجَانِبِ الآخَرِ، انْتَهَجَتْ إِيطَالْيَا تَكْتِيكَ ’الْكَاتِينَاتْشُو – Catenaccio‘ الدِّفَاعِيَّ الشَّهِيرَ، وَطَالَبَتْ بِتَحْوِيلِ الْكُرَةِ إِلَى قِطْعَةِ ’لَازَانْيَا‘ لِتَجَنُّبِ زَوَايَا الْمُثَلَّثِ وَالْمُرَبَّعِ الْمُسَبِّبَةِ لِلْمَغْصِ. وَمِنْ جِهَتِهَا، اقْتَرَحَتِ الْيَابَانُ حَلًّا تِكْنُولُوجِيًّا بِابْتِكَارِ كُرَةٍ فَائِقَةِ الذَّكَاءِ، تَتَحَوَّلُ رُوبُوتًا يَشْعُرُ بِنَبَضَاتِ اللَّاعِبِينَ وَيَعْمَلُ بِالطَّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ، لِتَكْتَفِيَ سُوِيسْرَا بِغَسْلِ يَدَيْهَا وَإِعْلَانِ الْحِيَادِ كَالْعَادَةِ، فِي حِينِ حَسَمَتْ مِصْرُ الْجَدَلَ بِالْمُطَالَبَةِ بِتَأْجِيلِ الْمَلَفِّ بِأَكْمَلِهِ إِلَى مَا بَعْدَ الْعِيدِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفَرَاعِنَةَ لَعِبُوا بِالْكُرَاتِ قَبْلَ التَّارِيخِ وَلَمْ يَتَلَقَّوْا أَيَّ مُخَالَفَةٍ أَمْنِيَّةٍ.

المشهد العربي وقمة إنقاذ الكرات
أَمَّا عَلَى الْجَبْهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقَدْ تَدَاعَتِ الْوَفُودُ لِقِمَّةِ إِنْقَاذٍ عَاجِلَةٍ تَحتَ شِعَارِ ‘مُسْتَقْبَلُ الْكُرَةِ بَيْنَ أَيْدِينَا’. حَضَرَتِ اثْنَتَا عَشْرَةَ دَوْلَةً مُحَمَّلَةً بِكُرَاتٍ تُجَسِّدُ وَاقِعَهَا:
١- الْأُولَى دَخَلَتْ بِكُرَةٍ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ مُغَطَّاةٍ بِقِشْرَةٍ ذَهَبِيَّةٍ.
٢- الثَّانِيَةُ اسْتَعرَضَتْ كُرَةً ضَخْمَةً جَوْفَاءَ وَمُفَرَّغَةً مِنَ الْمَضْمُونِ.
٣- الثَّالِثَةُ جَاءَتْ بِكُرَةٍ رَمْزِيَّةٍ لَا تُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ.
٤- الرَّابِعَةُ دخلت الْقَاعَةَ وَهِيَ تُفَتِّشُ فِي حَقَائِبِهَا لِتَكْتَشِفَ أَنَّهَا نَسِيَتْ إِحْضَارَ كُرَتِهَا أَصْلًا.
صِيغَ الْبَيَانُ الْخِتَامِيُّ فِي دَقِيقَتَيْنِ بِإِجمَاعٍ مُطْلَقٍ عَلَى بَنْدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: “رَفْضُ التَّدَخُّلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي شُؤُونِ الْكُرَاتِ الْوَطَنِيَّةِ. لَكِنْ سُرْعَانَ مَا اشْتَبَكَتِ الْوَفُودُ فِي عِرَاكٍ لُغَوِيٍّ حَادٍّ حَوْلَ مَاهِيَّةِ التَّوْصِيفِ الدَّقِيقِ لِكَلِمَةِ ‘أَجْنَبِيٍّ’؛ لِتَتَأَجَّلَ الْقِمَّةُ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى.”

الصعيد المحلي: قانون تنظيم الكرات
أَمَّا عَلَى الصَّعِيدِ الْمَحَلِّيِّ، فَقَدْ فَاجَأَ بَرْلَمَانُ بَلَدِنَا الصَّغِيرِ الْجَمِيعَ بِالتَّصوِيتِ عَلَى ‘قَانُونِ تَنْظِيمِ الْكُرَاتِ وَحِمَايَتِهَا مِنَ الْعَبَثِ’ بِـ ٧٧٥ مَادَّةً تَفُوقُ الْوَصْفَ.
-
الْمَادَّةُ الْأُولَى: يُمْنَعُ مَنْعًا بَاتًّا الْحَدِيثُ عَنْ حَجْمِ الْكُرَةِ إِلَّا بِتَصْرِيحٍ مَخْتُومٍ مِنْ ثَلَاثِ وِزَارَاتٍ وَرُسُومٍ تُعَادِلُ رَاتِبَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ.
-
الْمَادَّةُ الثَّانِيَةُ: عُقُوبَةِ بالسِّجْنِ حَتَّى خَمْسِ سَنَوَاتٍ لِكُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ التَّشْكِيكَ فِي كَمَالِ اسْتِدَارَةِ الْكُرَةِ الْوَطَنِيَّةِ.
-
الْمَادَّةُ ٣٧٧: مَنَحَتِ الْأَطْفَالُ حَقَّ اللَّعِبِ شَرِيطَةَ أَنْ تَكُونَ كُرَتُهُمْ مَخْفِيَّةً، وَيَلْعَبُوا فِي مَكَانٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، وَفِي مَوَاعِيدَ لَمْ تُحَدَّدْ بَعْدُ.

قَبْلَ أَنْ تُسْدِلَ الْمَادَّةُ الْأَخِيرَةُ السِّتَارَ مُعْلِنَةً أَنَّ الْقَانُونَ نَافِذٌ مُنْذُ زَمَنٍ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ وَإِلَى زَمَنٍ وَلَّى وَقُبِرَ مُنْذُ قُرُونٍ. وَفِي غَمْرَةِ هَذَا الذُّهُولِ الْقَانُونِيِّ، هَمَسَ مُوَاطِنٌ بَسِيطٌ لِنَفْسِهِ بِعَفْوِيَّةٍ قَاتِلَةٍ: “مَا الدَّاعِي لِكُلِّ هَذَا؟ إِنَّهَا مُجَرَّدُ كُرَةٍ.”

لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْجُدْرَانَ لَهَا آذَانٌ تَقْرِيرِيَّةٌ صَارِمَةٌ؛ فَفِي طَرفَةِ عَيْنٍ دَاهَمَتْهُ قُوَى الْأَمْنِ وَاقْتَادَتْهُ مَكْبُولًا، لِيَجِدَ نَفْسَهُ مَوْقُوفًا بِتُهْمَةِ:
١- التَّشْكِيكِ فِي الْمَقَايِيسِ الْوَطَنِيَّةِ.
٢- الِاسْتِهَانَةِ بِالنِّظَامِ الْكُرَوِيِّ الْعَامِّ.
٣- التَّحْرِيضِ عَلَى الْفَوْضَى الْهَنْدَسِيَّةِ.
بَعْدَ جَلْسَةِ النُّطْقِ بِالْحُكْمِ، تَبَرَّعَتِ الصِّينُ بِبِنَاءِ السِّجْنِ الَّذِي دَخَلَهُ الْمُوَاطِنُ، وَصَمَّمَتْهُ عَلَى شَكْلِ كُرَةٍ.

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني