الرئيسية / آخر الأخبار / “عَابِرَةُ سَبِيلٍ” للكاتبة فاتيما زهرة الماء
الكاتبة فاتيما زهرة الماء

“عَابِرَةُ سَبِيلٍ” للكاتبة فاتيما زهرة الماء

وَصَلْتُ إِلَى مَضِيقِ هُرمُزَ، وَبِالْفِعلِ كَانَ ضَيِّقاً. حَاوَلْتُ جَادَّةً حَشْرَ رَأْسِي وَجَسَدِي دَاخِلَ خَرِيطَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَلَكِنْ لَا فَائِدَةَ. لَقَدْ خَدَعُونِي فِي كُتُبِ الْجُغْرَافِيَا؛ قَالُوا إِنَّهُ ‘مَضِيقٌ’، فَتَوَقَّعتُ مَقَاساً يُنَاسِبُنِي، لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى هَذَا، لَمْ أَسْتَطِع حَتَّى إِدخَالَ ذِرَاعِيَ الْيُسْرَى. وَمَعَ ذَلِكَ، فَاللُّغَةُ تَفْرِضُ مَنْطِقَهَا، فَاسْمُهُ “مَضِيقٌ” مُشْتَقٌّ مِنَ “الضِّيقِ”، وَمَا دَامَ ضَيِّقاً فَهُوَ مَلْبَسٌ لَا مَحَالَةَ.

عَبَرتُ الْبَحرَ الْأَحمَرَ، فَإِذَا بِهِ يَشْتَعِلُ حُمْرَةً بِالْفِعلِ. خِلْتُهُ يَتَصَبَّبُ خَجَلاً مِنْ عُيُونِ السُّفُنِ الَّتِي لَا تَكُفُّ عَنِ التَّحدِيقِ فِي أَعمَاقِهِ لَيْلَ نَهَارَ. حَاوَلْتُ تَهْدِئَةَ رَوْعِهِ، فَنَثَرتُ عَلَيهِ مَسْحُوقاً أَبْيَضَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ مِنْ وَهَجِ وَجْنَتَيْهِ الْمَائِيَّتَيْنِ، ثُمَّ لُذْتُ بِالْفِرَارِ سَرِيعاً خَشْيَةَ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَيَّ عَدوَى هَذَا الِاحمِرَارِ الِانْفِعَالِيِّ.

"عَابِرَةُ سَبِيلٍ" للكاتبة فاتيما زهرة الماء

وَمِنْ هُنَاكَ، شَقَقْتُ طَرِيقِي نَحوَ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ؛ وَقَفْتُ بِكَامِلِ كَيَانِي مَشْدُودَةً إِلَى فِكْرَةِ التَّوَازُنِ، فَأَلْقَيْتُ بِأَثْقَالِ هُمُومِي يَمِيناً، وَنَشَرتُ شِرَاعَ أَحلَامِي يَسَاراً، تَرَقُّباً لِقِسْطَاسِ الْجَاذِبِيَّةِ الْكَوْنِيِّ. وَلَكِنْ لَا فِيزْيَاءَ وَلَا هُمْ يَحزَنُونَ، فَمَا وَجَدتُ إِلَّا رُطُوبَةً خَانِقَةً وَحَرَارَةً لَافِحَةً تَطبُخُ الْعِظَامَ بِبُطءٍ.

"عَابِرَةُ سَبِيلٍ" للكاتبة فاتيما زهرة الماء

أَمَامَ هَذِهِ الْأَزْيَاءِ السِّيَاسِيَّةِ الْخَانِقَةِ وَالْمُزْعِجَةِ، أَجِدُ أَنِّي سَأَتَوَجَّهُ حَتْماً إِلَى الْمُحِيطِ الْهَادِئِ. هُنَاكَ فَقَط، يُوجَدُ مُتَّسَعٌ كَافٍ لِزِيَادَةِ الْوَزْنِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ السُّمْنَةُ إِلَى ‘تَضَارِيسَ طَبِيعِيَّةٍ’ لَا يَجْرُؤُ خَبِيرٌ سِيَاسِيٌّ عَلَى رَسْمِ حُدُودٍ فَوْقَهَا. سَأَتَمَدَّدُ عَلَى طُولِ خُطُوطِ الطُّولِ وَالْعَرضِ، وَأَتْرُكُ لِجَسَدِي حُرِّيَّةَ التَّوَسُّعِ لِيُصبِحَ قَارَّةً جَدِيدَةً غَيرَ خَاضِعَةٍ لِلْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ. فِي الْهَادِئِ، لَا مَضَايِقَ تَخْنُقُ عُنُقِي، وَلَا صِرَاعَات تَقِيسُ خِصرِي.

 هُنَاكَ فَقَط، سَأَكُونُ أَنَا وَالْمَاءُ، فِي حَالَةِ اسْتِرخَاءٍ جُغْرَافِيٍّ تَامٍّ.

 هُنَاكَ فَقَط، سَأَكُونُ أَنَا وَالْمَاءُ، فِي حَالَةِ اسْتِرخَاءٍ جُغْرَافِيٍّ تَامٍّ.

"عَابِرَةُ سَبِيلٍ" للكاتبة فاتيما زهرة الماء

شاهد أيضاً

"عرش النِّعم الصامتة" للكاتبة ليندا حمّورة

“عرش النِّعم الصامتة” للكاتبة ليندا حمّورة

يغفو جسدي في عتمة الليل، لا ليستريح فحسب، إنما ليتخلى عن سيطرته لوجودٍ خفيّ يدير …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *