نبذة عن الفنانة التشكيلية اللبنانية قمر يونس
قمر يونس فنانة تشكيلية لبنانية، تخرّجت حديثًا من الجامعة اللبنانية – كلية الفنون الجميلة والعمارة، الفرع الثاني، قسم الفنون التشكيلية. تنطلق في ممارستها الفنية من التجربة الشخصية بوصفها مدخلًا لطرح أسئلة إنسانية أوسع، حيث توظّف الرسم والتركيب الفني لتحويل التفاصيل اليومية والأشياء المألوفة إلى عناصر تحمل أبعادًا رمزية ومفاهيمية.
وتميل أعمالها إلى الجمع بين السخرية البصرية والتأمل، في محاولة لخلق حوار بين التجربة الفردية والواقع الذي يعيشه الإنسان.
مشروع “Side Effects May Include”… من الاستخدام اليومي إلى الرمز التشكيلي
يحمل مشروع التخرّج عنوان «Side Effects May Include»، وهو مشروع فني يتناول مفهوم الاعتماد من خلال تجربة شخصية انطلقت من استخدام بخاخ الأنف “Triofan”.
إلا أن المشروع لا يتمحور حول الدواء بحد ذاته، بل يتخذه نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة التي يبنيها الإنسان مع الأشياء التي يعتمد عليها، سواء كانت دواءً، أو عادةً، أو طقسًا يوميًا، أو أي عنصر يصبح مع مرور الوقت جزءًا لا يتجزأ من حياته.
بدأت فكرة المشروع من سؤال بسيط:
متى يتوقف الشيء عن كونه مجرد شيء؟ ومتى يتحول حضوره المتكرر إلى علاقة تتجاوز وظيفته الأساسية؟
من هنا، تحوّل بخاخ التريوفان من أداة علاج إلى شخصية رئيسية داخل الأعمال الفنية، تتنقل بين المساحات المختلفة للحياة اليومية، وتفرض حضورها شيئًا فشيئًا، حتى يصبح وجودها طبيعيًا إلى درجة يصعب ملاحظتها.
ومن خلال هذا التحول، يطرح المشروع تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الحاجة والاعتماد، وبين الاستخدام والتعلّق، دون إصدار أحكام أو تقديم إجابات مباشرة.
فلسفة المشروع: بين الاعتماد والحاجة والهوية الشخصية
اعتمدت الفنانة على الرسم بالأكريليك إلى جانب الأعمال التركيبية (Installation)، فيما شكّل التكرار عنصرًا بصريًا أساسيًا في المشروع.
فكما أن الاعتماد يقوم على التكرار، تعود عبوة التريوفان للظهور في كل عمل بصورة مختلفة، إلى أن تصبح جزءًا مألوفًا من المشهد، تمامًا كما يحدث في الحياة اليومية.
ورغم أن موضوع المشروع يرتبط بفكرة قد تبدو ثقيلة أو حساسة، اختارت الفنانة معالجته بلغة بصرية تقوم على السخرية والمفارقة، انطلاقًا من إيمانها بأن الفكاهة تتيح للمتلقي مواجهة الأفكار غير المريحة بطريقة أكثر هدوءًا وانفتاحًا، وتدعوه إلى إعادة التفكير بعلاقته مع الأشياء التي يعتمد عليها.
لا يدعو المشروع إلى التخلّي عن الأشياء التي نحتاجها، ولا يدين الاعتماد بحد ذاته، بل يدعو إلى ملاحظة تلك العلاقات التي نبنيها مع ما يحيط بنا، وإلى التأمل في الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الأشياء الصغيرة، بصمت، إلى جزء من هويتنا وحياتنا اليومية.
الأعمال الفنية في مشروع “Side Effects May Include”
اللوحة الأولى: Relief
100×100 cm
Acrylic on Canvas
تفتتح الفنانة المشروع بلوحة تحتل فيها عبوة التريوفان مكانها على السرير، بينما تظهر هي بحجم صغير على الطاولة الجانبية.
يقوم العمل على قلب الأدوار بين الإنسان والشيء؛ فبدل أن يكون الإنسان هو الشخصية الرئيسية، يصبح الدواء هو الحاضر الأساسي في المشهد.
تعكس هذه المفارقة اللحظة التي يتجاوز فيها الشيء وظيفته العملية، ليصبح جزءًا من الحياة اليومية ومن الحيز الشخصي للإنسان.

اللوحة الثانية: Recipe
120×80 cm
Acrylic on Canvas
بعد أن يحتل التريوفان مكانه في غرفة النوم، ينتقل إلى المطبخ، أحد أكثر الأماكن ارتباطًا بالروتين اليومي.
تظهر العبوة داخل أواني الطهي، وعلى ألواح التقطيع، وبين الأدوات المنزلية، في مشهد يجعل وجودها يبدو طبيعيًا تمامًا.
تشير اللوحة إلى أن الاعتماد لا يحدث بصورة مفاجئة، بل يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة حتى يصبح جزءًا من المألوف.

اللوحة الثالثة: Devotion
120×80 cm
Acrylic on Canvas
تصوّر هذه اللوحة امرأة تحمل عبوة التريوفان بإيماءة تستحضر هيئة الصلاة أو الدعاء.
لا يتناول العمل الدين أو المعتقدات، بل يطرح سؤالًا حول الكيفية التي قد تتحول بها الراحة أو الشعور بالأمان إلى ما يشبه موضوعًا للإيمان الشخصي.
وهنا تصبح العبوة رمزًا لما يلجأ إليه الإنسان بحثًا عن الطمأنينة.

اللوحة الرابعة: Overflow
100×100 cm
Acrylic on Canvas
في هذه اللوحة، تمتلئ أروقة المكان بعدد كبير من عبوات التريوفان المتكررة.
يمنح المشهد في البداية إحساسًا بالألفة، لكنه سرعان ما يتحول إلى شعور بالاختناق نتيجة كثافة التكرار.
وتكشف اللوحة كيف يمكن للعادة، عندما تتكرر بلا توقف، أن تتحول من مصدر للراحة إلى عبء يحيط بالإنسان من كل جانب.

اللوحة الخامسة: Wish
120×80 cm
Acrylic on Canvas
تتناول الفنانة فكرة الاحتفال من خلال معالجة ساخرة، حيث تستبدل شموع قالب عيد الميلاد بعبوات التريوفان.
ومن خلال هذا التحويل البصري، يصبح الاعتماد نفسه مناسبة تتكرر عامًا بعد عام، في مفارقة تدعو المتلقي إلى الابتسام أولًا، ثم إلى إعادة التفكير في طبيعة العادات التي تتسلل إلى حياته حتى تصبح جزءًا من احتفالاته اليومية.

اللوحة السادسة: Contact
100×100 cm
Acrylic on Canvas
تستلهم الفنانة هذه اللوحة من عمل مايكل أنجلو الشهير «خلق آدم»، لكنها تعيد توظيفه ضمن سياق معاصر، حيث يحل التريوفان محل العنصر المركزي في العلاقة بين اليدين.
لا تهدف اللوحة إلى إعادة قراءة العمل الكلاسيكي من منظوره الديني، بل إلى التساؤل حول قدرة الأشياء اليومية على اكتساب قيمة رمزية كبيرة، بحيث تحتل مكانة استثنائية في حياة الإنسان.

اللوحة السابعة: Tolerance
120×80 cm
Acrylic on Canvas
تختتم السلسلة بلوحة يصبح فيها التريوفان جزءًا من الجسد نفسه، بعد أن كان مجرد أداة يستخدمها الإنسان.
هنا تذوب الحدود بين الشخص والشيء، ليصبح الفصل بينهما أكثر صعوبة.
وتشكّل هذه اللوحة ذروة المشروع، إذ تعبّر عن وصول علاقة الاعتماد إلى أقصى مراحلها، حيث يتحول الشيء من عنصر خارجي إلى امتداد رمزي للذات.

الأعمال التركيبية (Installation) في مشروع قمر يونس
Passage
100×70 cm
إلى جانب اللوحات، قدّمت الفنانة عملًا تركيبيًا بعنوان Passage، يتمثل في مجسم كبير لأنف مصنوع من القماش الأحمر، تحاكي خيوطه الأوردة والأنسجة الحية.
لا يتعامل العمل مع الأنف بوصفه عضوًا تشريحيًا فحسب، بل باعتباره بوابة العبور الأولى، والنقطة التي تبدأ منها علاقة الاعتماد.
يحوّل هذا العمل الجسد إلى مساحة تحمل أثر التكرار، حيث يصبح الفعل اليومي المتكرر جزءًا من الذاكرة الجسدية، إلى أن يُمارس بصورة تلقائية ودون وعي.
ومن خلال هذا المجسم، تنتقل فكرة المشروع من سطح اللوحة إلى فضاء مادي يحيط بالمتلقي، فيصبح جزءًا من التجربة بدل أن يكون مجرد مشاهد لها.

Chronic
35×45 cm
العمل التركيبي الثاني يحمل عنوان Chronic، ويتخذ هيئة خزانة صيدلية تضم ما يقارب خمسين إلى ستين عبوة تريوفان فارغة، جُمعت على مدى فترة من الاستخدام اليومي.
لا تُعرض هذه العبوات بوصفها مخلفات أو أشياء مستهلكة، بل بوصفها أرشيفًا بصريًا يوثّق الزمن والتكرار.
فكل عبوة تشير إلى لحظة عابرة، لكن اجتماعها معًا يكشف حجم العلاقة التي تتكوّن مع مرور الأيام، ويحوّل التجربة الشخصية إلى مشهد بصري يختصر فكرة المشروع بأكملها.

المشهد الختامي: حين يصبح التكرار تجربة تُرى وتُسمع
في ختام المناقشة، فتحت الفنانة واجهة خزانة الصيدلية، لتنهمر العبوات الفارغة وتسقط على الأرض في لحظة أدائية شكّلت خاتمة العمل.
لم يكن سقوط العبوات مجرد حركة مسرحية، بل كان جزءًا من العمل الفني نفسه.
فقد تحوّل الصوت الناتج عن ارتطام العبوات ببعضها وبالأرض إلى عنصر أساسي في التجربة، مانحًا الاعتماد وزنًا ماديًا وسمعيًا بعدما كان حاضرًا بصمت طوال المشروع.
بذلك، لم يعد التكرار مجرد فكرة تُرى، بل أصبح تجربة تُسمع وتُحسّ، تاركًا أثرًا مباشرًا في ذاكرة الحضور.
لجنة المناقشة والحضور في مشروع قمر يونس الفني
ناقش المشروع نخبة من أساتذة كلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية، يتقدمهم الدكتور عبدو بويز، رئيس قسم الفنون التشكيلية في الفرع الثاني – فرن الشباك، إلى جانب الدكتور إيلي بو رجيلي، والدكتورة إلسا غصوب، والدكتورة عايدة سلوم، والدكتور فادي مطر، والدكتورة ديما رعد، رئيسة قسم الفنون التشكيلية في فرع دير القمر.
كما شهد المعرض حضور عدد من أساتذة الجامعة، والفنانين، وأصحاب صالات العرض، والمهتمين بالفنون التشكيلية، إلى جانب مجموعة من مقتني الأعمال الفنية، ما أضفى على المناقشة طابعًا ثقافيًا وفنيًا مميزًا، وأسهم في فتح حوار حول الأفكار التي يطرحها المشروع.

خاتمة: من تجربة شخصية إلى سؤال إنساني مشترك
يقدّم «Side Effects May Include» تجربة فنية تنطلق من حكاية شخصية، لكنها تتجاوز حدودها لتلامس تجربة إنسانية مشتركة.
فمن خلال الرسم والأعمال التركيبية، ومن خلال توظيف السخرية والتكرار والرمزية، يدعو المشروع المتلقي إلى إعادة النظر في علاقته بالأشياء التي يحيط نفسه بها، وفي الكيفية التي يمكن أن تتحول بها أكثر التفاصيل اعتيادية إلى حضور دائم يصعب الانفصال عنه.
وفي نهاية المطاف، لا يسعى المشروع إلى إدانة الاعتماد أو الدعوة إلى مقاومته، بل يترك سؤالًا مفتوحًا أمام المتلقي:
متى يتوقف الشيء عن كونه مجرد شيء، ويصبح جزءًا من حياتنا… ومن ذواتنا؟

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني