قبل قليل، عبر بوابة الأمن العام في مطار بيروت… يجرّ حقيبته، ويجرّ معها ما تبقّى من قلبي. بوابةً في المطار كانت آخر جسرٍ يصلني به، تاركًا خلفه أمًّا تتعلّم للمرة الأولى كيف يبقى الجسد واقفًا بعد أن يغادره نصف روحه.
ظللتُ أحدّق في ظهره حتى صار نقطةً في آخر الممر، ثم غاب… ولم يغب وحده، بل انطفأ معه ركنٌ كامل من البيت، وسقطت من جدار العمر لبنةٌ لن يعيدها أحد.
منذ تلك اللحظة، صرت أعدّ النبضات التي سأعيشها في غيابه. سنةٌ كاملة… ثلاثمئة وخمسة وستون صباحًا سأستيقظ فيها على غياب صوته، وثلاثمئة وخمسة وستون مساءً سأترك فيه طبقه فارغًا، كأنني أترك مكانًا للأمل أن يعود قبله.
سينام على وسادةٍ لا تعرف رائحة شعره، وسيأكل إلى مائدةٍ لا يسبقه إليها دعائي، وسيعود كل مساء إلى غرفةٍ لا تحفظ ضحكته، وسيكبر عامًا كاملًا… بعيدًا عن العين التي كانت تلتقط تعبه قبل أن ينطق به.
لكن ما يمزقني ليس السفر… بل تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد. فكرة أن ترتفع حرارته في ليلةٍ شتوية، في بلدٍ غريب، فيرتجف جسده، بينما تبقى يداي هنا… محكومتين بالمسافة، عاجزتين حتى عن لمس جبينه. أيُّ أمٍّ يحتمل قلبها أن يكون حضنها على بُعد آلاف الكيلومترات من طفلها حين يحتاجه؟
وقفتُ هناك، بين قلبٍ يريد أن يركض نحوه ويختطفه من الطائرة، وعقلٍ يعرف أن هذا الوطن صار يربّي أبناءه ليقدّمهم قرابين للمطارات التي صارت غرفَ عملياتٍ يُستأصل فيها قلبُ الأمّ، وهي تبتسم كي لا يرتعب ابنها.
ابتلعتُ غصتي كما يبتلع الغريق آخر أنفاسه. ارتديتُ شجاعةً مستعارة، وعلّقتُ على وجهي ابتسامةً كانت تتشقق من الداخل. كنت أخشى أن يراني أبكي، فيحمل معي ذنبًا لا ذنب له فيه.
انتظرتُ فقط أن يعبر آخر الأبواب… ذلك الباب الذي لا يفصل بين الداخل والخارج، بل بين حياتين. وما إن ابتلعه المدى، حتى انهار كل شيء. شعرتُ وكأن أحدهم انتزع قلبي من صدري وترك مكانه حقيبة سفر مفتوحة، مليئةً بالخوف، والشوق، والدعاء.
اليوم سلّمتُ قطعةً من عمري للغربة، وتركتُ قلبي يسافر بجوازٍ لا يحمل اسمي.
فيا رب… إن كانت الأرض قد ضاقت به، فلا تضق عليه سماءُ رحمتك. كن له وطنًا حين يخذله الوطن، ودفئًا حين تبرد المدن، ويدًا تمسح عنه التعب حين تعجز يداي.
بحمى الرحمن يا قطعةً من قلبي… فما زلتُ هنا، لكن قلبي سافر معك.

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني