الرئيسية / آخر الأخبار / “عالقة عند آخر حضن” للشاعرة دعد عبد الخالق
الشاعرة دعد عبد الخالق
الشاعرة دعد عبد الخالق

“عالقة عند آخر حضن” للشاعرة دعد عبد الخالق

كتبت الشاعرة د. دعد عبد الخالق إلى أمّها الراحلة، نصًّا مؤثرًا تختصر فيه ثلاث سنوات من الغياب، وحنينًا ما زال عالقًا عند آخر حضن.

رحلتِ أنتِ… وبقيتُ أنا عالقةً عند آخر حضن
من منكم مثلي… رحلت أمُّها، وبقيت هي عالقةً عند آخر لحظةٍ جمعتها بها؛ لا يكبر فيها العمر، ولا يهدأ فيها الاشتياق؟
من منكم، مثلي، ما زالت ترسم في رأسها سيناريوهات مستحيلة، كأنّ أمّها ما زالت في بيتها، وأنها ستتصل بها بعد قليل كعادتها، وتقول لها:
«ماما، حضّريلي تبولة غير شكل، ومقلوبة من إيديكِ، وحطّي غلاية القهوة عالنار… يلا، جايي».
ثم تجلسان طويلًا، تتبادلان أحاديث لا تنتهي، ونصائح لا تُعدّ ولا تُحصى…
أفعل ذلك أحيانًا… لا لأنني أجهل أنها رحلت، بل لأن قلبي يرفض أن يفهم ما يعرفه عقلي.
أرسم حضورها في خيالي، لعلّ لهيب الاشتياق يخفت قليلًا، ولعلّ الوهم يصبح ضمادةً على جرحٍ لم تستطع ثلاثة أعوام أن تغلقه.
ثلاث سنوات…
وما زلتُ، كلما سمعتُ فيروز، أو مرّت أغنية لصباح، أو شممتُ رائحة أكلةٍ كانت تصنعها، أشعر أنّ شيئًا في داخلي يركض نحوها… ثم أتذكّر أنّ الطريق إليها قد أُغلق إلى الأبد.
من منكم عرف قيمة أمّه وهي بين يديه، لكنه لم يدرك اتساع هذا الحب إلا حين أصبح يبحث عنها في الأشياء؟
في فنجان قهوة…
في شرفةٍ صامتة…
في طبقٍ على المائدة…
في رائحة بيتٍ قديم…
في نصيحةٍ كنتُ أضيق بها يومًا، وأتمنى اليوم لو أسمعها ولو لمرّة واحدة.
يا أمّي…
لم أكن أعرف أن غيابكِ يمكن أن يكون بهذا الحضور.
لم أكن أعرف أن الإنسان قد يشتاق إلى صوتٍ أكثر من اشتياقه إلى الحياة نفسها، وأن حضنًا واحدًا يمكن أن يصبح وطنًا كاملًا بعد أن نفقده.
ثلاث سنواتٍ مرّت…
وما زلتُ أشعر أنّ رحيلكِ لم يكن موتًا فقط، بل كان اقتطاعًا لجزءٍ من روحي، وتركَه معلّقًا في مكانٍ لا أعرف كيف أصل إليه.
أحيانًا أتمنى لو يعود بي الزمن دقيقةً واحدة فقط…
لا لأقول لكِ كلامًا كبيرًا، ولا لأخبركِ كم أحبكِ؛ فقد كنتِ تعرفين.
أريد فقط أن أحتضنكِ طويلًا… طويلًا جدًا، كأنني أعرف أنّ تلك ستكون المرّة الأخيرة.
أمّي… يا وجعًا لا يشيخ، ويا غيابًا لا تعوّضه الأيام.
رحمكِ الله، يا أوّل حبّ، وأصدق حضن، وأجمل وطن.
ويا ليتني أستطيع أن أقول لكِ مرةً أخرى:
أنا بخير يا أمّي… لكنني منذ رحلتِ، لستُ أنا تمامًا.
ابنتك:دعد عبد الخالق

شاهد أيضاً

أرزة باسم الفنان التشكيلي فادي الخنسا

من اللوحة إلى الأرض… أرزة باسم الفنان التشكيلي فادي الخنسا

في لفتة إنسانية وبيئية جميلة، عبّر الفنان التشكيلي فادي الخنسا عن بالغ امتنانه للدكتورة أدريانا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *