يغفو جسدي في عتمة الليل، لا ليستريح فحسب، إنما ليتخلى عن سيطرته لوجودٍ خفيّ يدير محرّكات الحياة فيه بسلامٍ صامت. نبضٌ متزن، أنفاسٌ متراتبة، وجريانٌ دؤوب للأنهار الخفية في الشرايين… كلُّ شيءٍ يدور في كواليس السكون، بعيداً عن ضجيج الوعي وتدخّله.
وفي لحظةٍ خاطفة، تخلل ذلك السكون ذهولٌ مباغت؛ استيقظت حواسي قبل أن يستيقظ جسدي كلياً، مددتُ خاطري نحو كفي، فوجدتُ أن إصبعين من يدي قد انقطعا عن عرش الحركة، وغابا في عتمة خدرٍ مفاجئ. أطلقتُ إرادتي بأمر التحرك، لكن النداء ارتدّ خائباً دون أثر؛ لقد سقط الجسر بين فكري وجسدي. في تلك البرهة الفاصلة، انساب في داخلي سؤالٌ فلسفيٌّ يلامسُ حدود الرهبة: ما هذه الخيوط الأثيرية المسماة أعصاباً، والتي تمنحنا وهج الوجود والحركة؟ وكيف لمملكة الجسد الشاهقة أن تتجمد في طرفة عين إذا ما تعطلت إحدى أوردتها الخفية؟
ثم، وكأن الحياة قررت إعادة رسم ملامحها في كفي، تسللت برودةٌ تدريجية، ليعود الخدِرُ مسكوناً بالنماء، متسللاً عبر الشرايين كغيثٍ يحيي أرضاً مواتاً. دبتِ الحياةُ مجدداً في أناملي، وعادت الحركة إلى نصابها، فتلاشت الرهبة أمام تجلٍّ إلهيٍّ باهر.
إن الأجساد التي نرتديها ليست مجرد هياكل مادية، إنها معابدُ معمورةٌ بآلاف المعجزات غير المنظورة، نِعَمٌ صامتة لا نُدرك قيمة صوتِها إلا حين تغيب. لقد نسيتُ في زحام العيش أن أثمن ما أملك ليس ما تحويه خزائني، إنما ما ينبضُ في أعماقي؛ ثرواتٌ لو أُفيضت عليها أموالُ الأرض قاطبة لتعويضِ خلجَةِ عصبٍ واحد، لعَجَزَ العالمُ وما استطاع إليها سبيلاً.
فلتكن عافيتكم هي الحصنَ الأول بالرعاية، والجوهرَ الأحقَّ بالحماية، فكل ممتلكات الكوكب مجرد ظلالٍ زائلة إذا ما اهتزّ عرشُ النعمةِ داخل أجسادكم.
صباحُ الخيرِ لِأجسادِكُم المَعمُورَةِ بالنِّعَم الصَّامِتَة، ودمتُم في عافيةٍ لا تُقدَّرُ بَثَمَن.
"عرش النِّعم الصامتة" للكاتبة ليندا حمّورة
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني