قدمت الفنانة التشكيلية مريم فنيش مشروع تخرجها في كلية الفنون الجميلة والعمارة – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية، متناولةً موضوع الاستعمار الثقافي من زاوية نقدية، تنطلق من قراءة ردود فعل الشعوب تجاه ما يحدث من حولها، وما يمكن أن يتركه التنصل من القضايا العامة والابتعاد عن المسؤولية من آثار على وعي المجتمع وذاكرته.
ينطلق المشروع من رؤية تعتبر أن الاستعمار لا يقتصر على الحملات العسكرية أو الحروب المباشرة، وإنما يمكن أن يتحول إلى منظومة متكاملة تتجاوز السيطرة على الأرض، لتطال العقول والسلوكيات، وتعيد تشكيل وعي الشعوب وتصرفاتها، وصولًا إلى التأثير في سرديتها التاريخية وذاكرتها الجمعية.
ومن خلال لوحات المشروع، تطرح فنيش مجموعة من الأسئلة حول علاقة الفرد بمجتمعه، وحدود مسؤوليته تجاه القضايا المحيطة به، ودور الذاكرة في حماية الهوية والسردية التاريخية من المحو.
الفردانية المفرطة… حين ينكفئ الإنسان عن محيطه
في اللوحة الأولى، تتناول مريم فنيش مفهوم «الفردانية المفرطة والأنانية»، من خلال تصوير إنسان جالس على كرسي، معزول عن مجتمعه، ولا يلتفت إلى ما يدور حوله.
ولا تضع الفنانة التركيز على الذات وتطويرها في خانة الخطأ بحد ذاته، وإنما تنطلق من اللحظة التي تتحول فيها الذات إلى هاجس وحيد، فينقطع الإنسان عن محيطه الاجتماعي ويصبح اهتمامه منصبًا على نفسه، بمعزل عن الجماعة وما تواجهه من قضايا.
وفي هذا السياق، تقرأ فنيش الفردانية المفرطة باعتبارها عاملًا يمكن أن يقود إلى تفكك المجتمع وانهيار روابطه، إذ إن المجتمع الذي يفقد حس المشاركة والتفاعل بين أفراده يصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات والضغوط.
وتحمل اللوحة، في دلالتها، صورة إنسان حاضر بجسده، لكنه غائب عن محيطه؛ يجلس في مكانه، فيما تتراجع علاقته بالمجتمع إلى هامش المشهد.
«إبادة الذاكرة»… حين يتحول الصمت إلى مساحة للهيمنة
أما اللوحة الثانية، فتنتقل إلى مفهوم الحياد والتهرب من المسؤولية في مواجهة الهيمنة، من خلال صورة الإنسان الذي يختار الصمت والانكفاء رغم معرفته بما يجري من حوله.
وتستحضر اللوحة حالة «لا يرى، ولا يسمع، ولا يتكلم»، لكن اللافت في رؤية فنيش أن هذا الصمت لا ينبع من غياب المعرفة أو انعدام الوعي؛ فالإنسان، وفق فكرة المشروع، يدرك ما يحدث، لكنه يختار عدم التدخل.
وهنا تتسع دلالة العمل من موقف فردي إلى قضية مرتبطة بالذاكرة الجماعية. فعندما يتنصل الإنسان من قضايا مجتمعه، ويفشل في صون سرديته التاريخية والحفاظ على قضيته، تنشأ مساحة يمكن أن تستغلها القوى المهيمنة لفرض روايتها الخاصة.
ومن هنا تبرز في المشروع فكرة «إبادة الذاكرة»؛ إذ يصبح محو السردية التاريخية وجهًا آخر من وجوه السيطرة، عندما تُثبت الروايات التي تخدم مصالح الطرف المهيمن، فيما تُهمّش الحقائق أو تُمحى، لتتحول الهيمنة من السيطرة على المكان إلى التأثير في الوعي نفسه.
وتطرح فنيش من خلال هذه اللوحة سؤالًا جوهريًا حول مسؤولية الإنسان عن ذاكرته: ماذا يحدث عندما يتخلى المجتمع عن روايته، ويترك للآخرين مهمة كتابة تاريخه؟
من استعمار الأرض إلى استعمار الوعي
في مشروعها، تنقل مريم فنيش مفهوم الاستعمار من صورته التقليدية إلى مساحة أكثر اتساعًا، حيث يصبح الوعي والذاكرة والسلوك ساحات للصراع.
فالسيطرة، وفق الفكرة التي يقوم عليها المشروع، لا تحتاج دائمًا إلى حضور عسكري مباشر؛ إذ يمكن أن تبدأ من تفكك المجتمع، ومن انسحاب الفرد إلى ذاته، ومن حالة الصمت أمام ما يجري، قبل أن تصل إلى الذاكرة التي تشكل جزءًا أساسيًا من هوية الشعوب.
وبين الفردانية والتفكك، والحياد والتهرب من المسؤولية، ومحو السردية وإبادة الذاكرة، تبني فنيش مشروعها التشكيلي على مجموعة من المفاهيم المترابطة، لتجعل من اللوحة مساحة مساءلة للإنسان قبل أن تكون مساحة إدانة للآخر.
وهنا تكمن أهمية التجربة في أنها لا تنظر إلى الاستعمار بوصفه حدثًا خارجيًا فقط، وإنما تفتح النقاش حول ما يمكن أن يحدث داخل المجتمع نفسه عندما يفقد أفراده إحساسهم بالمسؤولية، أو يتخلون عن ذاكرتهم، أو يسمحون للصمت بأن يحل مكان الفعل.
وبذلك يتحول مشروع مريم فنيش إلى محاولة بصرية لطرح سؤال الوعي: هل يمكن لشعب أن يحمي أرضه وتاريخه من دون أن يحمي ذاكرته وسرديته؟


ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني