الرئيسية / آخر الأخبار / بين القناعة و«التريند».. هل ما زلنا نملك ترف تشكيل آرائنا؟
الكاتبة ملاك المولى
الكاتبة ملاك المولى

بين القناعة و«التريند».. هل ما زلنا نملك ترف تشكيل آرائنا؟

ملاك المولى – صحيفة البناء

قبيل طفرة التطور الالكتروني، كان تغيير الرأي يُعتبر رحلة نضج فكري طويلة، تمر عبر القراءة والمناقشات العميقة والتجارب الحياتية. أما اليوم، ففي عالم تحكمه “الخوارزميات”، أصبح تغيير القناعات يحدث بـ “سحبة شاشة” واحدة (Scroll) نحن نعيش في ذروة عصر الترويج الإلكتروني، حيث لم يعُد الهدف بيع منتج فحسب، بل بيع الأفكار، أنماط الحياة، وحتى المواقف الأخلاقية.
سلطة “الخوارزمية” وصناعة القطيع الرقمي

خلف شاشاتنا الصغيرة، تعمل محركات ذكاء اصطناعي تفهمنا أكثر مما نفهم أنفسنا. هذه المحركات لا تكتفي بعرض ما نحب، بل تمارس نوعاً من “الهندسة الاجتماعية” الهادئة. عندما تكتسح موجة ترويجية معينة منصات التواصل، يجد المستخدم نفسه محاصراً برأي واحد يتكرّر بأشكال مختلفة على ألسنة “المؤثرين”.
هذا التكرار يولد ضغطاً نفسياً غير مرئي يُعرف بـ “الانحياز للتأكيد” و”الضغط الاجتماعي الرقمي”؛ حيث يخشى الفرد أن يكون خارج السرب، فيبدأ بتبني آراء “التريند” ليس عن قناعة، بل رغبة في الشعور بالانتماء أو خوفاً من “الإلغاء ” (Cancel Culture) .
تسليع القناعات: عندما يصبح الرأي “منتجاً”
المشكلة الحقيقية تكمن في تحول الرأي العام إلى “سلعة”، فشركات العلاقات العامة والجهات التسويقية لم تعد تعتمد على الإعلانات المباشرة، بل باتت تستخدم “القوة الناعمة” عبر صناع المحتوى. ونرى اليوم تحوّلات مفاجئة في مواقف الجماهير تجاه قضايا كبرى (بيئية، سياسية، أو اجتماعية) لمجرد أن موجة ترويجية منظمة انطلقت في توقيت مدروس. وبالتالي نحن لا نغير آراءنا لأننا وجدنا الحقيقة، بل لأن الترويج جعل الحقيقة القديمة تبدو غير عصرية.
تآكل العمق الفكري

هذه السيولة في الآراء أدّت إلى ظاهرة “الرأي المؤقت”، أصبح الشخص يتبنى موقفاً حاداً اليوم، ثم يتخلى عنه غداً دون أي شعور بالتناقض، لأن الموجة الرقمية انتقلت إلى مكان آخر. وهذا يفقدنا القدرة على النقد التحليلي ويجعل المجتمع عرضة للتلاعب الفكري السريع.

كيف نحمي استقلالنا الفكري؟

إن مواجهة أمواج الترويج الإلكتروني لا تعني الانعزال، بل تعني تبني “الوعي الرقمي”. ويتلخص ذلك في:
تنويع المصادر: لا تحصر نفسك في “فقاعة” (Echo Chamber) واحدة؛ تابع مَن يختلفون معك.
التساؤل عن “لماذا الآن؟”: عندما ترى إجماعاً مفاجئاً على موضوع ما، اسأل عن المستفيد من هذا التوجه.
التريّث قبل التبني: ليس كل ما يلمع في “التريند” ذهباً، والاحتفاظ برأي مستقل هو قمة الشجاعة في عصر التبعية الرقمية.
خلاصة القول، تبقى عقولنا هي الحصن الأخير الذي نملكه؛ فإذا سمحنا لشركات الترويج وبرمجيات الخوارزميات أن تشكل قناعاتنا بالنيابة عنا، فإننا لا نفقد آراءنا فحسب، بل نفقد هويتنا أيضاً.

شاهد أيضاً

الشاعرة هبة علاء الدين

“ذاك الغريب” للشاعرة هبة علاء الدين

قصيدة للشاعرة عضو ملتقى الألوان هبة علاء الدين بعنوان “ذاك الغريب”. حتّامَ تطردني البلادُ المجحفةْ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *