الرئيسية / آخر الأخبار / “لامُ البُعدِ وكافُ المُخاطَب” للكاتبة فاتيما زهرة الماء
"لامُ البُعدِ وكافُ المُخاطَب" للكاتبة فاتيما زهرة الماء
"لامُ البُعدِ وكافُ المُخاطَب" للكاتبة فاتيما زهرة الماء

“لامُ البُعدِ وكافُ المُخاطَب” للكاتبة فاتيما زهرة الماء

في صباحٍ لغويٍّ مُرتَبِك، استيقظتُ على شجارٍ بين لامِ البُعدِ وكافِ المُخاطَب. كانت اللامُ تجرّ ذيلها بإرهاق، تتذمّر من طول الطريق. والكافُ كانت تتدلّى من آخر الجملة كأنها مرآةٌ تُحبُّ أن تُرى. أنصَتُّ بِرِفْق للمُطارَحَة بينهما. قالت اللامُ وهي تُصلِحُ شكلها في المعنى:
“أنا رمزُ المسافة، أنا التي تُعطي الكلماتِ مهابتها،
بدوني يصبحُ القربُ فوضى، والحنينُ بلا طعم!”
تهأهأت الكافُ بخفّةٍ نحويةٍ وقالت: “و أنا التي تُعطي اللغةَ دفءَ النِّداء، و تجعلُ القصيدةَ تلتفتُ إلى أيّ أحدٍ،
فبدوني، كلّ الشّعرِ حديثُ نفسٍ مملّ!”
تدخّلتُ أنا، الشاعرُ الذي لا حولَ له ولا نحو،
وقلتُ لهما: “اهدآ قليلاً، فأنتمَا مجرّدُ حروف!”
لكنّ اللامَ نظرت إليّ بإمتهان نحويٍّ وصَفَعَتني بجواب حَنِق: “مجرّدُ حرف؟! أنا التي جعلتكِ تكتبي عن الولَه و الغيابِ ما يُقارِب مِئات القصائد.”
أمَّا الكافُ إبتسمت بدناءة و فجور و أضافت:
“وأنا التي جَعَلتُك و جعلتُه يظنُّ أنَّ كلّ قصيدة ليست سوى رسالة حبّ سرّية.”
جلسنا نحن الثلاثة على طاولة المعاني. تَمَزَّزت
اللام كأس نبيذ ببطء، كَمَنْ يتأمَّل المدى بين الرشفة والحنين، والكافُ إكتفَت بِرَصد الصُوَر مع الكلمات،
لتُرسلها إلى الضمائرِ الغائبةِ تحت إمضاء ‘إشتقتُ إليكم’. أمّا انا فتناولت قطعة معمول بالجَوز.
نظرت ملياً في تلك اللحظة، وتَجَلَّى لي أنَّ في طَيّ اللُّغة، كلّ حرف يظنّ نَفْسه فيها على أنَّه هو ذاك البَطَل المَنشود، و بأنّ كلّ شاعر يخال نَفْسه ذاك المُخْرِج المأمول. طاف خيالي رجوعاً فجأة، وتذكَّرت كيف كانت
لامُ البُعدِ تجرّني إلى الخارج، نَحوَ فضاءٍ لا يحدّهُ سوى الوجد. حينها تَعلَّمت أنَّ الحرية ليستَ في الوصول،
بل في السيرِ الدائمِ نحوَ ما لا يُدرَك. وفي المقابل بَصّرتني كاف المُخاطَبِ أنَّ الكلمة لا تُولدُ إلّا حينَ تُخاطِبُ فيها أحداً. بين اللامِ والكافِ، تَأرجَحَت مشاعري تماماً كَمَن يمشي على فتيلة، كالشّاعر الذي يكتبُ لِيبقى، ويُمحى لِيَبدأ من جديد. فتتحوَّل القصيدة إلى مُحاولة عبور، وكلّ عبور يتحوَّل لِتَمرُّد على اللغةِ ذاتها. فتغدو اللُّغة ساحة نِضال، والشِّعر فِعل تحرُّر، والشَّاعر ساعٍ لتحرير الحَرف من نَفسِه، تارِكاً إيَّاها تَتَناسَل بِصَمت،
لتبحث عن معنى يليقُ بالحرية. هناك، في أقصى الحَرف، كُنت أرى في لامِ البُعدِ، المنفى، وفي كاف المُخاطَب كنت أرى الوطن الذي لا نَستَحِقُّه. غادرت طاولة المعاني، تاركة اللامَ والكافَ يتجادلان.
وَصلت البيت. أَمْسَكْت بالقلمِ كَمَن يُمسك بجهام. جَلستُ أمامَ الورق كَمَن تنتظر عودة المعنى

شاهد أيضاً

سأضيف حبّة حُبٍ للكاتبة فاتيما زهرة الماء

“سأضيف حبّة حُبٍ” للكاتبة فاتيما زهرة الماء

استيقظتُ اليوم وأنا أشعر أن العالم يحتاج إلى تعديلٍ بسيط، كأن أحدهم نَسِيَ أن يضع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *