الرئيسية / آخر الأخبار / لِما لا أكون أَقَلّ إصطِفلالاً؟ للكاتبة فاتيما زهرة الماء
الكاتبة فاتيما زهرة الماء
الكاتبة فاتيما زهرة الماء

لِما لا أكون أَقَلّ إصطِفلالاً؟ للكاتبة فاتيما زهرة الماء

يحتوي هذا النص على أفكار قد يَجدها البعض حسّاسة، لذا وجب التنويه لتهيئة القارئ. كما نرحِّب بأي تصويبات آتية مِنه.


لِما لا أكون أَقَلّ إصطِفلالاً؟

قرّرت اليوم الخروج إلى الشارع لأبحَث عن سببٍ واحدٍ يجعل الناس أقلّ جدِّية. وصلت إلى شارع الحمرا، ورأيت كلّ الوجوه من حولي متجهمة. رَمقتُ الوقت راكضاً، كأنه مُطاردٌ من فكرةٍ قبيحة.

قلت في نفسي:
“يُصطُفْلوا”

لَفَتَني رجلٌ كان جالساً يناقش السياسة وكأنّه يوزّع مصير قارات كوكب الارض، على شابّ يَشْرَح بدوره، لصديقه كيف تُدار الحياة من شاشة هاتِفه.
مَرَّ النادلُ مبتسماً بلا سبب، ربما لأنه فَهِمَ السرّ قبلي؛
“أن لا شيء يَسْتَحِق هذا القَدر من الإنفعال.”

راقبتُ المَشْهَدَ كَمَنْ يُشاهِد فيلماً يعرف خاتِمَته.

وتَمْتَمْت:
“يُصطُفْلوا”

لِما لا أكون أَقَلّ إصطِفلالاً؟

يُصطُفْلوا، فليتنافسوا في الثرثرة والتحليلات، وتوزيع شهادات الحِكْمة المجانيّة على بعضهم البعض.
هنالك كان يَقِفُ الحَقّ في زاوية المَسرَح العَبَثيّ الرحْرَاح طالباً كوباً من الماء، لكن بصوت خافِت.
فيُهَمهِم: “يُصطُفْلوا، فليتجادلوا حتى تذوب الحروف من أفواههم.”

إنتبهت فجأة أنني أقف فوق إسفلتٍ مُتَشَقِّق، فقرَّرت أن أَتركَهم يتنازعون على فتات المعاني، بينما تمرّ الحياة من أمامهم.

وصلت منزلي خالية الوفاض، وإنحنيت على شُرفَة اللغة، لأراقِب نَمَط تَدافُع الكلمات في طابور طويل غير مَنهَجي. كلٌّ منها يريد أن يبدو بليغاً، حَسَن الهِندام ومتِين الجذر. وأنا مُتدلّية ككلِمة عادية من الدرجة الثالثة، أرتدي قميصاً من العاميّة، وأحمل في جيبي فاصلةً منتهية الصلاحية.

كنت أنتظر حضور كلمة “يُصطُفْلوا” المُتعَجرِفة إلى شُرفة اللغة. وهكذا آلت الأمور، أطلَّت مُتَبَخْتِرَة بين الجُمَل كأنّها مَوكب رسميّ، تتدلّى منها علامات الإعراب مثل أوسمة نحويَّة تَنظُر إليّ بإمتهان صَرفيّ، كأنني عبارة عن خطأ مَطبعيّ في مُعجمٍ مُحتَرَم.

تَفكَّرت قليلاً وخاطَبت نفسي…
لِما لا أكون أقلّ إصطفلالاً منها؟

لِما لا أخلع عنّي هذا السِّتار الألسُنيّ، لأضحك بصوت نحويٍّ مكسور، أو لأرقص على وزنٍ ناقص، أو ربّما لأَرتَكِب جريمة حذفٍ مُتَعَمَّد في مُنتَصف جملة ما؟

تَفْغَرُ اللغةُ وتنصحني قائلة:
“رُوَيْداً، يا إبنَة الفوضى، حتى النَّحوُ يشيخ.”

إبتَسَمتُ كعادتي.

وضَعتُ نقطةً في غير مكانها، وأعلنت تَحَرُّري من القواعد، لأكون كلمة بلا جذر، بلا وزن، وحتّى بلا معنى مُحدَّد، لأتحوَّل لصوت يَصطَفِل أو لا يَصطَفِل بِما يَشتهي.

الكاتبة فاتيما زهرة الماء
الكاتبة فاتيما زهرة الماء

شاهد أيضاً

اترك لي حقي في حرية الانتظار

“اترك لي حقي في حرية الانتظار” للكاتبة فاتيما زهرة الماء

اترك لي حقي في حرية الانتظار، فأنا مواطنة ملتزمة بالقوانين، لكنّني أرفض أن أُحاسَب على …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *