في ميتافيزيقا الصفر، الصفر ليس عدمًا. هو بمثابةِ اختراعٍ عبقريٍّ، يَقتَحِم خلوة عيني لتحويلِ الجثثِ إلى معادلاتٍ رياضيَّة، الدَّم إلى إحصائيَّات، والصراخِ إلى مؤامرةٍ صوتيّة أليفة، أو إلى صخبٍ يُنعِش الأذن الميّتة.
تَسلّلتْ كغلطةٍ حسابيّة في ميزانيةٍ مقدَّسة ترانيم ثَرثَرة أحدهم إلى سراديب أذني، والتقطَتْ راداراتي البيولوجية ذبذباتِ سوالفهم: “أخطاءٌ صفريَّة“. لحظتها، دشَّنتُ أصابعي في تصفيقٍ باردٍ يكاد يلفظ أنفاسه، فالمصيبة لا تَكمن في اقتراف القَتْل، بل في خطيئة الإعتراف، أي في فِعل حماقة البوح بِه.

هذا ما يُسمِّيه ميشال فوكو: سياسةُ الحقيقة، أو سياسة إخفاء الحقيقة تحتَ طبقاتٍ من المصطلحاتِ التقنيَّة.
لكنَّ فوكو، في فرطِ تفتيشه الأركيولوجيّ، أخطأ المرمى. لقد منَحَ النفعيّةَ البدائيّة هالةً من العبقريّة البنيويّة لا تستحقها. الـمَأزق ليس في عبقريّة الخِطاب السلطويّ بل في ابتذاله. السلطةُ لا تُنتِج ‘أنظِمَة حقيقة’ مُعقَّدة لتُهيمِن، بل تستعملُ لغةً تقنيةً باردة كمِشرحةٍ، لتجريد الجريمة من مظهرها الإنساني. لا أدري من أين استمد تلك الثقة العمياء، لِيعلِن أنَّ المعرفةَ هي القوة، وغاب عنه أنَّ القوةَ الأشدّ فتكًا هي القدرة على فَرضِ التّفاهةِ ‘كقانون’ حيثُ يغدو القتلُ مُجرَّدَ ‘إجراءٍ فنيّ’، يسمو فيه الاعترافُ من فضيلةٍ أخلاقيّة إلى خطأٍ استراتيجيّ في الحسابات.
المهم… سِيركٌ فَلْسَفِيٌّ مُلْتَوٍ.
بينما يجهد النصّ في تقريع فوكو البائس لأنه تَبرَّع بذكاء بنيويّ لجلادين لا يفكّون الخط. أقع أنا في ذات الفخ الذي نصبته لفوكو. هذا النقد العميق الذي يدّعي كشف ابتذال السلطة وفرض التفاهة ‘كقانون’، يُعيد إنتاج البلادة الأمنيّة، وعقم البيروقراطيّة الفاضح، ليصنع منهما خطة ميتافيزيقيّة خارقة تُدار بوعي كونيّ متفوِّق. الحقيقة المروِّعة، ليست محاولة لِفهم آليات القوّة، وإنّما هي الرغبة البائِسة في مَنح جريمة قَتل تافهة، ارتكبها مجرمون أغبياء، بُعداً فلسفياً عميقاً لِمُجرّد الاستعراض الفكري. وبدلاً من الإقرار بأنهم مُجرّد مجرمين فاشلين، عجزوا حتى عن إخفاء جثث ضحاياهم، أُصِرّ أنا على تحويل تلعثمهم وفشلهم الإداريّ إلى تكتيكات مدروسة، لِأجد لنفسي ذريعة تُشبع نرجسيّتي الفكريّة وشهوتي في التّنظير الفوقيّ، مثال ذلك التبرير الهزلي ‘أطلق سبع رصاصات على ظهره، لِيَنتَحِر أثناء فراره‘.

يلتفت الناقد السّاخر، للمنظِّر متهكماً قائلا: أرأيت؟ بدلاً من الاعتراف بأن القتلة مجرد حمقى يفتقرون للحد الأدنى من كفاءة التغطية على جثثهم، تُصرُّ أنت في نصوصك الفخمة على تحويل تلعثمهم وفشلهم الإستراتيجيّ إلى ‘أخطاء فنيّة في الحسابات‘، فقط لتجد ذريعة تشبع بها شهوة كتابتك الغارقة في النرجسيّة الفكريّة.
الضحية ماتت لأن هذا الأحمق أطلق النار، وليس لأن البنيويّة سقطت.
يرمق المُنظِّر المحقق بازدراء، ويوجِّه كلامه للناقد مستنكرًا تبسيطه للأمور، مؤكدًا أن الجَهل يمثِّل الأداة الأكثر دهاءً لهيمنة البيروقراطية الحديثة.
يمضغ الناقد تفاحته بلامبالاة ويعلِّق ببرود: “والفلسفة، هي الذريعة الأرقى، لوجود الحمقى في هرم السلطة. تابعوا العرض، فالمسرحية تروق لي.
إظلام تدريجي
في سياق أنطولوجيا السلاح الذكيّ، يتم الترويج للمقذوفات بوصفها ‘ذكية’، وهو ادعاء يفرض علينا مساءلة معيار هذا الذكاء. هل يتجسد في الكفاءة التقنيّة لإصابة الإحداثيات، أم في القدرة على إدراك الإنسانيّة والتمييز بأن المُستَهدَف مجرد طفلة تلهو؟ لو كان هذا النّظام الذكيّ واعيًا، لَتَعَطَّل تلقائيًا، غير أن افتقار الخوارزميات للوعي الأخلاقيّ والضمير، هو السِّمة التي تجعل الذكاء الاصطناعيّ، الأداة الأكثر فتكًا ومثاليّة للحروب.
هنا ديكارت أَخطأ.الآلةُ لا تفكِّر، لكنَّها موجودة وهذا كافٍ لتدميرِنا.
يبدو الموت في فينومينولوجيا الضرر الجانبيّ، وكأن له هندسة، اتجاهات، وتَسميات مُنمَّقة، تَمنَح القتل أبعادًا جغرافيّة. فالموت الأماميّ مُبَرَّر/مقبول، والموت الجانبيّ يُكتفى بالأسف عليه/هفوة مُؤسِفَة، أمَّا الموت الخلفي فَنَكبَة غير مقصودة.
المُهم، هي حِيَل لغويَّة تسعى لِتَلطيف البشاعة، وتصنيف الضحايا كأرقام على الخريطة، أو فئات هندسيَّة مقبولة، أو تحوُّل الإنسان من روح، إلى مُجرَّد انحراف في زاوية السقوط.
مريم، ابنة السنوات الخمس، لم تكن تدرِك أنَّها تعيشُ في الهامش، في الحاشية، او في الجانب. لَو كانت تَعلَم، لانتقلتْ إلى المَركَز. المعضلة الكبرى، أن القَصف يجتاح المَركَز ذاته. هنا، تنكسِر استراتيجيات الحروب وخرائطها المنظَّمة بعنف، بمجرد اصطدامها بجحيم الواقع المُعاش. ورغم شبكات الأقمار الصناعيّة التي تحصي أنفاس الأرض، تبقى جغرافيا الموت عمياء، ضاربة بعرض الحائط كل علامات الارتكاز والحدود.
هنا، الخطأ ليس استثناءً بل هو الأصل.
في ديالكتيك الصراع بين عقلانية الجنرال ولوعة الأم، يتبدّى التناقض الصارخ. فالجنرال يَختزِل المأساة في تجريدٍ بارد، يُحرِّك دبابيسه الحمراء على الخريطة بمحاكاة عبثيّة للعبة الشطرنج. لكن الشطرنج يحتفظ بحد أدنى من الأخلاق الفلسفية، إذ يعيد قطع الموت المجازي أو يواريها إلى ذات الصندوق عند النهاية. مقابل ذلك، تقف الأم في مواجهة عارية مع تفكُّك الوجود. تنبش الأنقاض بحثاً عن ابنتها، حيث الموت واقع نهائي لا يَقبَل الارتداد أو العودة إلى صندوق اللعبة.
هنا، تسقط مقولة هيجل ‘الواقع عقلاني’ أمام صرخة الأم التي تراه حمقاً محضاً. وفي هذا النزاع المعرفيّ والأخلاقيّ، يظل التاريخ حكماً منحازاً، لِمن يملك القوة ويصنع القنابل.
عندما نصل إلى دقةٍ تبلغ ٩٩.٩٪، فهذا يعني وقوع خطأ واحد فقط من بين كل ألف محاولة.
ولكن، هل فكَّرت يوماً ماذا لو كنت أنت أو انا ذلك الخطأ الوحيد؟
إن الإحصاء يجرّد المأساة من إنسانيتها، ويُحوِّل مآسينا إلى نسبٍ مئوية، وآلامنا إلى مجرَّد انحرافٍ معياري، ويصبح الموت مجرد هامشٍ للخطأ.
مقولة ‘موت فرد مأساة وموت مليون إحصائية’، تُنسَب لباسكال تارة، ولستالين تارة أخرى، وكثيراً ما يكون الفرق بين رؤية الفيلسوف وقسوة الطاغية مجرد تفصيلٍ تقنيّ.
في سيميوطيقا الخطاب الرسمي، يفقد الصدق معناه. ‘الأسف الشديد’/يعني انعدام الأسف، و’التحقيق’ /مرادف للنسيان المُمَنهَج، ووعد ‘عدم التكرار’/إعلان صريح عن تكرار الكارثة غداً.
لقد فارقت الروح هذه اللغة، لكنّها مُستمرَّة في الكلام كشبح يتردَّد صداه بلا معنى. يَجتَر الكلمات نفسها بلا روح، وبلا أدنى مسؤولية.
المسافة تقتل الأخلاق، هذا هو قانون الطيران الحربيّ. أي في إيتيقا الطيّار، تعمل المسافة كعازل أخلاقي. على ارتفاع عشرة آلاف قدم، تختفي الوجوه وتُلغى الإنسانيّة بفيزياء البُعد. غير أن هندسة الحروب المعاصرة تجاوزت هذا العائق بنجاح، فإبعاد القاتل عن ملامح الضحية، يمنَحه قتلاً معقّماً، بلا دماء تُلطِّخ يديه، وبلا كوابيس تقض مضجعه. أي قتلاً مجرداً من الإنسانيّة.

حين صاغ كانط قاعدته بأن الإنسانيّة غاية لا وسيلة، لم يكن يَعلَم كيف تبدو الإنسانيّة من كابينة طائرة حربيَّة. لم يكن يعلم أن الفلسفة حتماً تسقط من بارتفاع عشرة آلاف قدم.
في قاعة الأمم المتحدة، يتردّد صدى خطابات ‘حقوق الإنسان’، بينما تتبدى الأنثروبولوجيا المقلوبة في أبشع صورها. فالإشكالية الحقيقية ليست في الحقوق، بل في تعريف ‘الإنسان’ نفسه. هل هو ذلك الدبلوماسي الذي يلقي الكلمات من فوق مقعده المخملي؟ أم الضحية المنسيّة التي ترقد تحت الأنقاض بلا صوت؟ الخلاصة، إن الإنسانية في عالمنا مفهوم نسباني، تُعاد صياغته وفقاً للجغرافيا، والعرق، والدين، وحجم الثروة.
حين صاغ سارتر مقولته ‘الإنسان محكوم بالحرية’، تناسى أن الطفل تحت القصف محكوم بشيء واحد فقط الموت.
Close-up
العدسة تركِّز على حذاء ورديّ صغير، يتحوَّل الحذاء الورديّ في يد الأم إلى وثيقة تُفكِّك الميتافيزيقا والواقع. في هذا الكادر الضيّق يَكمن جوهر العبث الفلسفيّ. بقاء الحذاء وغياب جسد الطفلة يثبتان زيف الوجود. تناقض الورديّ مع حمرة الدم يعلن موت المعنى خلف الألوان. صغر الحذاء أمام ضخامة الحرب، يؤكد عبثيّة المقاييس. هنا تتجلى ‘الأخطاء الصفرية’، كفلسفة إبادة لا كنظريّة رياضيّة. فنحن نمحو الآخر لنؤكّد ذواتنا، ونقضي على الضحيّة والشاهد لِطَمْس الجريمة والشهادة.
في هذا العالم المَسلوب الذاكرة، تُولد كل حرب كأنها الأولى، وتَسقُط كل قنبلة كأنّها الأخيرة، ويغدو كل خطأ صفريّاً.

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني