الأم، تجلس على حافة الأريكة، ليس لأنها تحب الحافة، بل لأن الوسط مُحتَلّ بوسائد لم تَعد تَعرِف من دَفَع ثمَنها. تُنعَت بـلقيطة الأرائك، لا تَملك صَك ملكيَّة، لكنَّها تَكْتَنِز أسرار كل من وَضَع خدّه عليها لثوانٍ ومضى، تاركاً خلفه رصيداً من الأحلام لم يَكتَمِل، وضريبة من بقع اللعاب والشعيرات المُتمرِّدة. تأخذ الأمّ رِكْزَةَ الجَاهِزِيَّة المَنْطِقِيَّة للنهوض التي استحصدتْها من أمّها، إنحناء خفيف للكتفين، و إستعداد أبديّ لإغاثة احتياجاتهم بوقارِ المَلِكات وصبرِ الأنبياء، و تَلعَن في سرِّها تلك الوسائد التي لَم تَتَهَنَّ بِلَمسها. ساقها اليمنى مطويّة تحت اليسرى، قدمها تتأرجح في الهواء بإيقاع لا واعٍ. جُلْسة تصرّ عليها منذ ثلاثين عاماً، ‘تُسَبِّب تنميل الأعصاب’، ‘وَخْز كونيّ’، و إنبثاق لِلَحظَة ‘الـ Static البشريّة‘.

تُقَشِّر برتقالة بأصابع بطيئة و بأناقة امرأة في إعلان تلفزيوني. تَنزَلِق قشرة البرتقالة حلزونياً، فيما عيناها تتابعان الحركة كأنّها طَقس هندوسيّ مُقدَّس. تُفكِّر في البرتقال الذي أصبح أغلى من الذهب، و في تلك القشرة الحلزونيّة التي قد تكون آخر إنجازاتها الجماليّة لليوم. تَنظُر إلى زوجها الذي يَخرُج منه نَفَسٌ طويل، وفَمٌ مفتوح كمغارة، يَتبَعه إرتخاء كامل في الأكتاف، كأن هموم الكوكب سَقَطَت عن عاتقه، لِتستَقِر على الكرسيّ. في هذه اللحظة، تُسائلُ الأقدار… كيف تحوَّل من ‘شريك حياة’ إلى ‘قطعة ديكور’، لا يُحرِّكها سوى رائحة الطعام أو زلزال بقوة ٧ ريختر. تقفُ أمام مرآة خيبَتها، وتَرفعُ حاجبَ الدهشة، هل هذا ما كانت تَحلم به في ليلة زفافها؟ تنظرُ لخاتمها، تتأملُ وجهَ الحاضرِ، و تَستَنطِق ذاكرتها مجدداً… هل هذا ‘البطل التراجيديّ’ القابع أمامي، هو نفسه ذاك الذي وعدني بالنجوم؟ أم أنَّ النجومَ كانت مجردَ إستعارةٍ لغويةٍ؟
هنا، تُدير مُحرِّك البحث في ‘أرشيف النّدم’. هل تَستَخدِم استراتيجية الهجوم الحسّي الناعم لإيقاظه؟ أمْ تكتيك الهَمس العشوائي؟ هل تَستَعمِل استراتيجية الدراما التقنيَّة للإيقاظ المفاجئ عن طريق تكتيك تغيير المناخ؟ أمّ تَغزل خيوط استراتيجية الصدمة الدبلوماسية للإيقاظ الشامل بواسطة تطبيق تكتيك السؤال الوجودي؟ و في حال فَشَل كل ما سَبَق… هل تلجأ للخيار النوويّ، عبر استخدام تكتيك عَطسَة الديناصور؟
الأب، يَجلس مُتكئاً. رأسه يتدلَّى للخلف بزاوية تتحدّى قوانين التشريح. رقبته مكشوفة، ضعيفة و إنسانيّة. تَتَشَابَكُ أَصَابِعُهُ وَتَنْفَرِجُ بِبُطءٍ فَوق تضاريسه الشَّحمِيَّةِ التي يَرفض أن يسمّيها تَرَهُّلًا، بَلْ يُصِرُّ نَرجِسِيّاً عَلَى أَنَّها مُجَرَّد إِجَازَة مَفْتُوحَة، مَدفُوعَة الأَجر، لِعَضَلَاتِهِ النَّائِمَةِ. يجلس كصنمٍ إغريقيّ أَصابَه الخمول. عيناه عالقتان بالذبابة التي تمارس الطواف الوثنيّ حول المصباح. عقله مزدحمٌ بـ لا شيء و بـ كل شيء. تهاجِمه فاتورة الكهرباء من حيث لا يدري، ليعود بعدها مأخوذاً بغباء الذبابة المُطلَق، المُصمِّمة على الإنتحار حرقاً حول المصباح.

في تلك اللحظة بالذات، قرَّر المُخرِج تغيير الحبكة دون إستشارة الأبطال. حتى أنا، الرَّاوِيَة، زعيمة المخابرات الأدبيّة و جاسوسة هذا النَّص السريّ، سَقَطَ قلمي من يدي ووقفتُ مذهولةً أمام ما حَدَث. تباً، لقد انفرط عقد الحبكة تماماً، وأعلنَ الأبطال العصيان الأدبي. يأتَمِرون بأَمر المُخرِج، ويمشون على خطوط الشريط اللاصق في الأرض، مُتجاهلين حبري الفاخر. باختصار، تحوَّلتُ من ‘الرَّاوِيَة العليمة’ إلى مجرد ‘كاتبة سيناريو مغدورة’، تَجمَع شتات كرامَتها الأدبيّة من سلَّة مهملات الإنتاج، تندب حظَّها خلف كواليس التصوير، وتواسي نَفسها بوجبات ‘الكاستينغ المجانية’.
نظرتُ إلى بطل قصتي الذي كان يُفتَرَض به أن يكون شجاعاً، فإذ برأسه يتحوَّل لِشوربة من الديون المُتراكمة. لم أتمالك نفسي. انتزعتُه من مَشهَد المُخرِج.
أمام هذا الطوفان من العبث، سَحبَ الديكتاتور الورقيّ، ما تبقّى من برستيجه الإخراجيّ المزعوم، وأدرك أن ضبط جُليسات الممثلين، يتطلّب موهبةً لا تشتريها ميزانيات الإنتاج الضخمة. القى مكبّر الصوت بجفاء، وتراجَع من المَشهد خلسةً. لكن قبل أن يتلاشى أثره، التفتَ إليّ بملامح مُنكسِرة، كما ألقى ايضاً بنصوصي المُمَزَّقة عند قدمي، مُعلناً إفلاسه الفكريّ، ومُسلِّماً إياي مِقوَد هذه الهاوية الأدبيّة. هكذا، استعدتُ كرسّي القيادة، لا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بل لأُعيدَ الكومبارسَ إلى حجمهم الطبيعي. لأتركهم يتخبَّطون في عشوائية جُليْساتهم دون نصٍ يحميهم أو كاميرا توثِّق وجودهم، ليدركوا متأخرين أن العصيان بلا حبري الفاخر، مجرد ضياعٍ تافهٍ في استوديو مهجور.
المُهِم…
قمتُ بهزِّ رأسه عنوةً، لعلّي أُعيد ترتيب خلاياه الرمادية. لكن بدلاً من الأفكار، سمعتُ طقطقة الأرقام الفَلكيَّة والإنذارات البنكيَّة التي تُطالبه بالسّداد الفوريّ، تِلكَ التَّهديداتِ الصَّارِمةَ الَّتي سَتَبْتَرُ حبل الوريد عن ثلاجة عائلته، بل ومِنها ما سيتوسَّع لِيغتال روح العَصرَنة في المنزل، مُجْبِراً النِّظَامَ الكَوْنِيَّ عَلَى الإِعلَانِ عَنْ وِلَادَةِ جُمْهُورِيَّةِ الشُّمُوعِ وَالمَهَابِيسِ. ناهيك عن زلَّة اللسان الصباحيّة المُخجِلة، التي تلاها تأنيبُ ضميرٍ وجوديّ، جعله يتساءل، لِمَ لا تَنقَرِض البشرية التعيسة جمعاء، متأثرةً بفداحة خطئه التاريخي؟
يُواسي نفسَهُ المَنهوكةَ بنظريّةٍ سفسطائيةٍ، مُفادُها أن جلوسه الطويل هذا على الكرسيّ، ليس تكاسلاً، بل عصيانٌ مدنيّ و احتجاجٌ ميتافيزيقيّ صارخ، ضد عالم رخيص، يركض بلاهةً نحو فناءٍ ما. ولكنه كان يدركُ جيّداً أنّه في حدقاتِ عيونِ عائلتهِ، لم يكن يبدو ‘غيفارا الشرقِ‘ الذي يقودُ عصياناً مدنياً باهراً، بل مجرَّدَ أرجوحةٍ من اللحم، يتصاعد منها شخيرٌ ميكانيكيٌّ متهالكٌ. يحلم بأنه بطل رياضي، بينما الواقع يَشهَد أن آخر مرة رَكَضَ فيها، كانت هرباً من كلب الجيران سنة 2023 من شهر حزيران.
هاتفه يسقط من يده، لكنّه لا يستيقظ.

الطفلة، تجلس على البلاط، ساقاها ممدودتان أمامها كحرف V، قدماها الصغيرتان تتجهان للخارج، تميل برأسها حتى يلامس شعرها الأرض، تنظر إلى العالم مقلوباً، السقف يصبح أرضاً، والأرض سماءً، تضحك لهذا الإكتشاف البسيط، أن تغيير زاوية الجلوس يغيِّر الكون، وأن الجاذبية مجرّد اتفاق، على أن كل شيء نسبيّ، حتى الخوف، حتى الفرح.
الجدَّة، على كرسيها الخشبيّ، ظهرها لا يلمس المسند أبداً. تجلس كما علّمتها أمها منذ سبعين عاماً. العمود الفقري مستقيم، الكتفان للخلف، اليدان على الفخذين، كأنها تَحمِل كرامة قرون على كتفيها. قدماها المتورِّمتان لا تلمسان الأرض تماماً، فقط تتدليان بضعة سنتيمترات، و تتذكّر كل الأماكن التي جلست فيها: على عتبة بيت طفولتها، على كرسيّ العروس، على حافة سرير المستشفى، على كراسي الإنتظار في دوائر اللجوء، كل جُلسَة كانت محطة في رحلة طويلة، وهذه الجُلسة، الآن، هنا، ليست إلا واحدة أخرى.
الابن الأصغر، يجلس متربِّعاً كوضعيّة اللوتس الناقصة، لأن مفاصله ليست مَرِنة بما يكفي، لِيَجْعَلَهَا لَوْحَةً دَافِنْشِيَّةً
كاملة، رغم أنه يدَّعي على إنستغرام أنه ‘Yogi مُتقدِّم‘، يسعى لِبلوغ مرحلة ‘السانياسا‘.
يُغمِض عينيه بتركيز مُصطَنَع، يحاول أن يكون ‘حاضراً في اللحظة’، بينما عقله يَحسب عَدَد ‘الـ لايك’ لصورته الأخيرة. يتنفَّس بعمق، بصوت عالٍ، ليتأكَّد أن الجميع يعرفون أنه يتأمَّل. لأن التأمُّل دون جمهور هو مجرّد غيبوبة اختياريّة، ومجرّد ادعاء رخيص للموت المؤقت.
لا يَهم، المُهِم أنها فلسفة عميقة إبتدعها جيل السوشيال ميديا.

الأشياء، تجلس كإكسسوار أدبيّ. الكتاب مفتوح على الطاولة، لم يقلِّب أحد صفحته منذ ساعتين. يلتفتُ الكتابُ نحو أحدِ أفراد العائلة الجالسِ في المدى، الذي يَمُرّ بجانبه متظاهراً أو مُتظاهِرَةً بالانشغالِ الشديد، ويوجّه إليه/إليها التهمةَ مباشرةً بنبرةٍ حانقة: “ألم تكن ‘أنتَِ’ من أقسَم البارحة ‘بأنكَِ’ ستنهيني في جلسة واحدة؟”
الكوب نصف الممتلئ بالشاي البارد، أو نصف الفارغ، ‘يَرجعُ ذلكَ إلى دُستورِكَ الشخصيّ، هل تَميلُ إلى حِكمةِ فلاسفةِ الإغريق، أم تُفضّلُ فلسفةَ ‘الهروبِ نِصفُ المَرجلةِ؟’، على كل حال، الأمرُ منوطٌ بمِنظارِكَ الوجوديّ، فإمّا أنكَ تَرى النصفَ الممتلئَ من الكأس، أو أنكَ تبحثُ عن الشَخصِ الأبلَه الذي سَكبَ الماءَ وضَيّعَ وقتَك الثمين’، يَترك حلقة ماء تحته على الخشب، فيبدو كعلامة تجارية حديثة، حيثُ لا يهمُّ إن كانَ الكوب يعملُ أم لا، المهمُّ هو حلقة الماء العميقة والمبهمة التي تجعلك تَشعر بالذنبِ الثقافيّ إن لم تلتفت نَحوَها. لكن لا أحد يَهتَم.
النِّعال المُصطفّة عند الباب، كل واحدة تشير لاتجاه مُختلِف، كأنها في خلاف عائلي. يستمر ذلك الشاهد الرخيص على الحائط في إطلاق قذائفه الصوتية ‘دقٌّ ونقر’، معلنًا فرار اللحظات بنجاح ساحق. المشهد سريالي، الجميع جالسون في غيبوبة اختيارية، يتفنّنون في تبديد العمر بذكاء خارق، كأن إضاعة الوقت وظيفة حكوميّة يخشون خسارتها.

الجلوس، هو البيان الختامي لثورة الجسد المسترخي، والمنصّة الرسمية لإعلان الهدنة مع صخب الوجود. هنا الإستسلام فوق المقعد ليس ضعفاً، بل هو هزيمة تصالحية فخمة، و إضراب لمشروع ضد نمط الحياة الذي يريد تحويل الكُلّ إلى ترز بائس لإنتاج المهام. هو مانيفستو الخنوع اللذيذ للوقار المُصطَنَع، و ممارسة للإنبطاح الجزئي المشرَّع. هو حركة بيروقراطية صامتة، تحالف مع الجاذبيّة، أي تصالح تام مع قانون نيوتن، لأننا ببساطة أضعف من أن نتدخَّل في عراك يومي مع كوكب الأرض. هو أزمة ثقة الأثاث، حيث تتجلى أسمى معاني الأمل الإنساني عندما تضع كامل وزنك ومصيرك فوق أريكة متهالكة.
وبعد كل هذا، القصيدة نفسها جالسة الآن على الصفحة، تنتظر قارئاً ربما يكون جالساً أيضاً، في وضعية سخيفة، على أريكة، أو مقعد حافلة، أو مرحاض، يقرأ عن أناس كانوا يجلسون، بينما هو يجلس، وهكذا تدور الحياة: جُلَيسَة بعد جُليسَة، إلى أن تأتي الغارة، أو لا تأتي، والفرق ليس كبيراً.
جُلوسٌ عن الجُلوس، فلسفة دائرية جعلت أرسطو يدور في قبره، وهو أيضاً، بالمناسبة، جالس.
“Cut! إنتهى التصوير”
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني