الرئيسية / آخر الأخبار / «زهور برية على كوكب غامض» ليوسف رقة دعوة للتأمل في الحب والحياة والحرية
«زهور برية على كوكب غامض» ليوسف رقة
«زهور برية على كوكب غامض» ليوسف رقة

«زهور برية على كوكب غامض» ليوسف رقة دعوة للتأمل في الحب والحياة والحرية

ملاك عطوي

ملاك عطوياختار الكاتب يوسف رقة أن يقدّم كتابه بعنوانٍ يقوم على مفارقةٍ شفّافة بين نعومةٍ تلامس الزهور البرّية التي تنمو في هدوء الطبيعة البريئة، وعالمٍ مضطربٍ تسوده الفوضى والغموض، فبدا العنوان مفتاحًا أساسيًا للدخول إلى عالمٍ من التأمّل والبحث الداخلي. يحمل العنوان في طيّاته إيحاءً بروحٍ نقية تسعى إلى الاقتراب من واقعٍ أكثر صفاءً، بعيدًا عن تعقيدات الحياة وألغازها التي تثقل النفس وتربكها، وكأن الكاتب يريد أن يهمس للقارئ منذ البداية بأن هذه الرحلة ليست سطحية، بل رحلة نحو العمق والفهم.
وفي هذا الإطار، تأتي النصوص كتأمّلاتٍ تتقاطع فيها معاني الحبّ والحرب والحرية والسلام، حيث يحاول الكاتب نقل الصور التي تنبض في مخيّلته والمشاعر التي تتغذّى بهذه المعاني المتشابكة. فتبدو خواطره محاولةً لجمع المتناقضات في مساحةٍ واحدة، حيث يلتقي الحنان بالقسوة، والأمل بالألم، ويجاور الهدوء صخب الواقع، وكأن الكاتب يرسم صورةً للإنسان وهو يعيش صراعه الدائم بين ما يحلم به وما يعيشه فعلاً. هنا، تتحوّل الخواطر إلى مرايا صغيرة تعكس جوانب النفس الإنسانية، بما فيها من ضعف وقوة، فرح وحزن، طموح وخوف.
وتمنح هذه التأمّلات النصوص بعدًا إنسانيًا واضحًا، إذ لا تقف عند حدود البوح الشخصي، بل تتجاوزها لتلامس أسئلة أوسع تتعلّق بالوجود والمعنى والحرية. إذ يُدرك القارئ أن الكاتب لا يكتفي بسرد ما يراه أو يشعر به، بل يحاول أن يفتح نافذة على تجربة إنسانية أعمق، تدفع كل قارئ إلى مواجهة ذاته وأسئلته الخاصة. وهكذا يبدو الكتاب أقرب إلى رحلةٍ هادئة في أعماق النفس، يحاول من خلالها الكاتب استعادة شيء من الصفاء وسط عالمٍ يزداد غموضًا واضطرابًا، ويخلق مساحة للتفكير الهادئ بعيدًا عن ضجيج الحياة اليومية.
كما جمع الأستاذ يوسف رقة بين وصف حبيبته ورمزيّتها للأمل والجمال، وبين الأرض الحالمة بالسلام، ليحوّل نصوصه إلى مشهدٍ متكامل يجمع بين الحنين العاطفي والبحث الدائم عن الطمأنينة. فالحبيبة ليست مجرد حضور جسديّ أو شعور عابر، بل رمز للحرية والصفاء، وكأنها تجسيد للروح الإنسانية التي تبحث عن مكان آمن في عالم معقّد. والأرض التي يصفها الكاتب ليست مجرد مكان، بل فضاء يفيض بالأمان والاستقرار، حيث تتلاقى الأحلام مع الواقع، ويستعيد الإنسان فيه حريته وطمأنينته، ويكتشف معنى السلام الحقيقي. ومن خلال هذا التوازي بين الحبيبة والأرض، يُظهر الكاتب كيف يمكن للجمال والصفاء أن يمنحا الإنسان شعورًا بالاستقرار وسط عالمٍ متقلب، وكيف أن الحبّ قد يصبح وسيلة لفهم الذات وفهم الآخر، والبحث عن المعنى في كل تجربة.
وبهذا، يتحوّل كتاب يوسف رقة إلى تجربة فريدة، لا يكتفي فيها القارئ بالمتعة اللغوية فحسب، بل يدعوه أيضًا إلى رحلة داخل ذاته، للتأمل في الحبّ والحياة والحرية والسلام. فالخواطر هنا ليست مجرد كلمات، بل نوافذ تطل على المشاعر العميقة والتساؤلات الوجودية، حيث يتلاقى الواقع بالحلم، والصدق بالرمزية، وتصبح النصوص مساحة لتفكيرٍ هادئ وفهم أعمق للإنسان وعالمه. وفي النهاية، يترك الكاتب للقارئ حرية الاكتشاف، ليخرج من هذه الرحلة وقد لمس شيئًا من صفاء الروح، ووجد في قلبه صدى السلام الذي سعى إلى تصويره في كل صورة وكل كلمة.
إن كتاب يوسف رقة بذلك ليس مجرد مجموعة خواطر عابرة، بل هو مساحة للتأمل والتفكير، رحلة في النفس الإنسانية، ودعوة للبحث عن الجمال والطمأنينة في زمن يموج بالفوضى والأسئلة التي لا تنتهي. إنه نصوصٌ تتأرجح بين الواقع والحلم، بين الغموض والصفاء، لتمنح القارئ تجربة فريدة من نوعها، تجعل من كل كلمة نافذة تطلّ على عالمٍ أعمق وأكثر حساسية.
ومن كلماته اخترنا ما يشبه المناجاة حين يقول:
“أيّتها الغيمةُ العابرةُ، أسرِعي الخُطى،
واعبُري وجهَ القمر…
لا تحجُبي نورَهُ كثيرًا، كي لا تحزنَ النجومُ من حولِنا، والأشجارُ التي تتأمَّلُ وجُودَنا…
أيّتها الغيمةُ العابرةُ، لم نعدْ نحتمِلُ الحُزنَ والنُّزوحَ والتحافَ الخيامِ…
فلا تسمحي للرياحِ أنْ تسرِقَ أحلامَنا…
أيّتها الغيمةُ أسرِعي الخُطى، كي يرى اللهُ حديقَتنا..”.

المصدر : صحيفة البناء

 

شاهد أيضاً

الشاعرة هنادي حجازي

قصيدة “الحقيقةُ كلّها” للشاعرة هنادي حجازي

قصيدة “فراديس الروح” للشاعرة هنادي حجازي ظلالُ رحيلي وراءَ عينيْكَ مترنمةٌ فمتى يتحرّر الصدى ؟ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *