مع أول تسطيلة للنور، إستيقظتُ على صوت هاتفي يرنّ بنغمة جنائزية. فتحتُ عيني لأجد حرامية الدجاج ترتدي ربطة عنق وتقرأ جريدة كُتِبَت عام ٣/١٠/ ١٩٨٨.
داهمتها بـ ‘صباح الرضا’، فقصَفَت جبهتي بلغة إنجليزية ركيكة: “المؤشرات الإقتصادية اليوم كارثيّة، وسِعر السردين في إرتفاع مُستمر.”
شديت الرحال إلى كوكب المطبخ، ووجدتُ ثلاجتي تَنوح. “منذ ثلاثة أيام لم يزرني أحد، كلّ الطعام يشعر بالوحدة، والجبنة بدأت تَكتُب مذكراتها.” قالت. ثمَّ أضافت: “البيض في الكرتونة نظَّم إنقلاباً، وأعلَن نفسه جمهورية “خلينا ساكتين”، ورَفَضَ أن يُقلى أو يُسلَق. “نحن أحياء، نحن مُعْتَقون” صرخت البيضة الكبرى. بينما الزبدة جَهَشَت من الضحك.
فارقتُ البيت إلى رجعة غير مُعلَنَة. أَخَذْتُ الشارع في حضني، ورأيتُ رجلاً يمشي بحذائه في يديه وقدماه مرتاحتان في جيبه. “ألا تشعر بالبرد؟” سألته. “القدمان قرّرتا اليوم الإضراب، حتى أشتري لهما جوارب من الكتّان.” أجاب.
بِإِزائِهِ، كانت إمرأة تحمل رأسها تحت إبطها، وتُقَرْقِر في الجوّال: “سأتأخر قليلاً، رأسي نَسيَ موعد الإجتماع، وذهب لِيُمَزمِز على الشاي مع الجيران، أنا قادمة، إذا ما ضعت في الطريق.”
تزامناً، كانت إشارة المرور تُشَرشِر شكاوى كَدَوشَة ألوان. الأحمر يَجمح: ” أريد أن أكون أخضر.” والأخضر يَنتَفِض: “سئمتُ من التفاؤل أريد أن أكون برسيمونيّاً.” والسيارات مفطورة تحت إقامة جبريَّة.

شققتُ طريقي عبر الزّحام، وصلتُ إلى عرش الكافيين، وسَجَّلتُ دخولي رسمياً لِطلب ‘فنجان المزاج’. سَقَطَت لثتي عندما جاءني النادل بحوض سمك. قلت له: “هذا ليس ما طلبته.” “آسف، السياقات اليوم مختلَّة، فالقهوة ذهبت لتسبح، والسمك تركناه يغلي بِرفق على النار.” صفعني بإجابة أحاديَّة.
على الطاولة المجاورة، رجلٌ يأكل الملعقة ويحرِّك الحساء بإصبعه، وآخر يشرب الفنجان ويرمي القهوة في سلَّة المهملات. مازحتهم مُستفسرةً: “أليس هذا الإقتراح يحتاج إلى ‘إعادة ضبط مصنع’؟”
ردّوا بقلب رجل واحد: “الخطأ هو الصواب الجديد.”
بعدها هرولتُ إلى مصنع الفيتامينات، حيث كان الصيدلاني يمطِرنا بصفقاته، ويبيع الأمراض بأسعار ‘لَقطَة’. “عندي إنفلونزا ممتازة طازجة من هذا الصباح، وصداع نصفي بتخفيض خمسين بالمئة، والحمّى متوفِّرة بجميع الدرجات.”
“أعطني علبتين من السعال المزمن.” صَرَخت.
إنسحبت تكتيكياً من الموقع، وتجسَّدت في قلب حَدث آخر دون سابق إنذار “مدرسة للأطفال”، يقوم فيها فرفور لطيف بِشَرح نظرية النسبية أمام جهاز الإستخبارات المدرسية.
في الحديقة الوطنية ‘للإنفراد بالذات’، المُلاصقة للمدرسة، كانت الأشجار تحوَّم في الروضة على جذورها، وتتبادل النميمة: “هل سمعتِ عن شجرة البلوط؟ تركت مكانها وهربت مع نسمة الهواء.” أمَّا العصافير كانت تطير بالمقلوب رؤوسها للأسفل وأقدامها تخترق السماء.
خرجت من المَشهَد مجدداً ولكن مُنهَكَة. ولَجتُ إلى خزينة الأحلام المؤجَّلة، وتغوغلت في عالم الإجراءات المعقَّدة. بِفضل جهود الموظَّف الجبّارة، حصلت على أوراق شجر ذابلة قائلاً: “هذه العملة الرسميَّة الآن. فالدولار تفرشَشَ وطار، واليورو أصبح لقمة كاكاو وأُكِل.”
أخذت إجازة من العالم، وعدت إلى قفصي الذهبي. جلس الكرسيّ عليّ، والتلفاز بدأ يتابعني بِمَلَل، وكأنَّه يراقب طلاء الحائط وهو يَجف. أمَّا سارقة الأعـمار، كانت على غير عادتها تسير وِفقَ توقيت ‘أبجد هوز’ وتُشارِع المَنطِق.
تركت المكان وقصدتُ مرآة الحمَّام لأتأمل ‘التحفة الفنية’، أيّ وجهي، ولكنَّها رفضت أن تعكس صورتي فقد بَرِمَت من ملامحي.

أعلنتُ حالة ‘طوارئ النوم’، لكن السرير همس لي: “أنا مُتعب من حَملك كل ليلة اليوم دورك أن تحمليني.”
فحملتُ السرير على ظهري، ودخلت وضعية ‘التمثال’. على الهداوة، بدأت الأحلام تتسلَّل من النافذة هاربةً نحو ‘خلايا تفكير’ أُخرى أكثر منطقيَّة من رأسي.
ما هي إلا فترة وجيزة حتى عادت تُضحك الثكلى، وتشتكي من الرؤوس الأخرى، على أنَّها فاقت المجانين بمراحل. واحدٌ يحلم أنه ممحاة يمحو بها الكون، وآخر يحلم أنه فاصلة ضائعة في رواية لم تُكتب بعد.
قررت الوسادة القيام بإنتحار درامي: “أنا أيضاً أريد أن أنام على شيء ناعم لماذا دائماً أنا من يُنام عليها؟” ألحَّت.
واللحاف إمتنع عن التغطية وإنطوى على نفسه. “أنا مستقيل الليلة، سأذهب لأغطي الثلاجة، فهي أكثر برودة وتحتاجني أكثر منك.”
أفقتُ من غيبوبتي وأطللتُ بوجهي على الدنيا، لأجد أن كل شيء عاد إلى طبيعته، إلا أنني تلاشَيت تلقائيَّتي، فبقيتُ مختلَّةً في سياقٍ يَنتَحِل صفة السَّواء.
بيد أن الواقع، للأسف، فَرَضَ نَفسه مجدداً بفكاهة. فحراميّة الدجاج ما زالت ترتدي ربطة العنق، وتُبرطم لي من خلف الأبواب المغلقة: “لا تصدّقي هذا الهدوء، فالإختلال لم ينتهِ بعد، إنه فقط في حضن موريشيوس، وسيعود عند المغيب أكثر جنوناً، إذاً، شدّوا الأحزمة، فالكارثة القادمة أَمتَع.”
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني