منذ فجر الفلسفة، وقف المفكرون حيارى أمام مشهد الدموع؛ كيف لعينٍ واحدة أن تذرف السائل نفسه في قمة الفرح وفي قاع الترح؟
في محراب الفلسفة، تُعتبر دموع الفرح ودموع الحزن وجهين لعملة واحدة: تجاوز الحدّ الإنساني. عندما يفيض الوجدان بمشاعر تفوق قدرة الجسد على استيعابها، وتصل الشحنة العاطفية إلى ذروتها القصوى (أكانت ابتهاجاً غامراً أم كرباً عاتياً)، يحدث ما يسميه الفلاسفة “الانهيار الجمالي” أو “الفيض الوجداني”. العقل في تلك اللحظة يفقد السيطرة على ضبط توازن الجسد، فتنفتح بوابات المآقي لتعيد إلى الروح استقرارها المسلوب. الدموع هنا هي “صمام الأمان” الكوني الذي يحمي هذا الكائن الهش من الانفجار تحت وطأة الشعور.
علمياً وفلسفياً، الدموع ليست سواسية. فالدموع التي تطهر العين من الغبار (الدموع الانعكاسية) تختلف تماماً عن الدموع العاطفية.
دموع الحزن والألم: تحتوي على تركيزٍ عالٍ من الهرمونات الناتجة عن التوتر والضغط النفسي، مثل هرمون الكورتيزول والبرولاكتين. وكأن الجسد يغسل نفسه من سموم الألم المادية والمعنوية، ويطرد الحزن في قطرات ملموسة.
دموع الفرح: تحمل تركيبة مختلفة تُفرز معها هرمونات السعادة كالإندورفين والأكسيتوسين، لتخفيف حدة الصدمة الإيجابية التي تعرض لها الجهاز العصبي.
إنها معجزة الخالق: الكيمياء تطيع الروح، فتتشكل القطرة تلو القطرة لتلائم عمق المحسوس، فتبكي العين حزناً لتتطهر، وتبكي فرحاً لتتحرر.
إن المشاعر الإنسانية سماءٌ لا تحدّها حدود، بيد أن هذه السماء قد تمطر أحياناً بََرَداً يكسر أغصان الروح. وهنا تكمن المعضلة: “فالقلب قاضٍ رؤوف، والمعروف بأن القاضي عليه أن يكون صارماً بقراراته لا حنونا ولا عطوفاً”.
هنا تكمن المأساة الفلسفية الكبرى؛ عندما يستلم القلب مقاليد الحكم، فإنه يحكم بعاطفة اللحظة، يغفر حيث يجب العقاب، ويحنّ حيث يتطلب الأمر بتر الأعضاء الفاسدة. القلب يرى الوجود بعدسة الوجد، أما العقل فيرى الوجود بمشرط الحقيقة.
لذا، فإن ترك الحبل على الغارب للقلب ليصدر أحكامه السيادية في حياتنا هو بمثابة تسليم سفينة وسط أنواء البحر لربانٍ أعمى يقوده الشوق لا البوصلة. العقل هو الأقرب جغرافياً وجسدياً لتلك العيون التي تذرف الدموع، ولكنه ينظر ببرود الحكيم، بينما تلك الدموع متصلة بأوتار القلب النابضة.
الدموع هي الجسر المائي الرابط بين أروقة العقل الباردة ودهاليز القلب المستعرة. صحيح أن العين جارة الدماغ، تسكن في جواره وتأتمر بأمره العصبوي، لكنها “مترجمة الفؤاد”. حين تعصف المشاعر بالقلب، يرسل شفراته السرية عبر الدم إلى العقل، فيقف العقل عاجزاً عن التفسير، ولا يجد بداً من إعطاء الأوامر للمآقي لكي تفتح سدودها.
الدموع هي النتيجة الحتمية عندما ينهزم العقل أمام سطوة العاطفة، أو عندما يصل العقل إلى قناعة بأن الوجود أعمق من أن يُفهم بالمنطق وحده، فيسلم الراية للقلب ليبكي.
في نهاية المطاف، سنظل نحن البشر نتأرجح بين صرامة العقل التي تقينا المهالك، ورقة القلب التي تمنحنا إنسانيتنا. والدموع هي ذلك الترياق الذي يمنع العقل من أن يتحول إلى آلة صخرية صماء، ويمنع القلب من أن يذوب كلياً في جحيم مشاعره.
وكما قال الفيلسوف والشاعر الرومي ذات وجد:
“جاء في الأثر: أن الماء يطفئ النار، ولكن هل رأيت ماءً تغشاه النار فيغلي صامتاً حتى يتبخر؟ تلك هي دموع العشاق والمحزونين، نارٌ تسكن الماء.”
الدموع هي إعلان نضج كوني؛ إعلان بأننا حيينا، وأحببنا، وفرحنا حتى بكينا، وحزنا حتى تطهرنا. فلتتحكم عقولنا في مصائرنا لئلا نتحطم، ولتبكِ عيوننا متى شاءت، لتبقى قلوبنا نابضةً بالحياة، فالعين التي لا تبكي، هي عينٌ لا ترى من الوجود إلا قشرته الظاهرة.
صباحٌ يشرق بالتوازن؛ عقولٌ تقود الطريق بحكمة، وقلوبٌ تنبض بالسلام، وعيونٌ لا تدمع اليوم إلا من فرط البهجة والامتنان
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني