محمد علوش
في مساحة تتقاطع فيها الرؤية التشكيلية مع الأسئلة الإنسانية والفكرية، احتضنت Escape Gallery في الأشرفية – بيروت، يوم الخميس 24 أيلول 2026، معرض «وجهة نظر»، الذي جمع ثماني فنانات تشكيليات قدّمن مشاريع تخرجهن في تجربة جماعية تنوّعت موضوعاتها بين الحرية والحرب والهوية والإيمان والاستهلاك والاغتراب والاستعمار الثقافي والذاكرة.
بدت الأعمال المعروضة كأنها محاولات شخصية لفهم العالم وإعادة صياغته بصريًا. فلكل فنانة سؤالها الخاص، ولكل مشروع زاويته في النظر إلى الإنسان ومحيطه، بينما شكّل اختلاف الموضوعات مساحة غنية للحوار بين التجارب.
وقد جاءت هذه المشاركة امتدادًا لمشاريع التخرج التي سبق لـ«ملتقى الألوان» أن واكبها في تقارير خاصة، متابعًا التجارب التشكيلية الشابة وما تحمله من رؤى وأفكار وأساليب تعبيرية.
تالا مرمل… رحلة من القيود إلى الحرية
في مشروعها «بين الحرية والقيود»، تتناول تالا مرمل الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان بين رغباته الحقيقية وبين القيود التي يفرضها المجتمع، عبر ثلاث لوحات تشكل رحلة متدرجة من القهر إلى الوعي، وصولًا إلى التحرر واكتشاف الذات.
تبدأ التجربة بصورة الإنسان المحاصر بالضغوط الاجتماعية وتوقعات الآخرين، قبل أن تنتقل إلى لحظة الوعي والتشتت، حين يبدأ الفرد في التساؤل عن حقيقة ما يريده بعيدًا عن القوالب الجاهزة. وفي اللوحة الثالثة، تبلغ الرحلة ذروتها مع قرار كسر القيود واستعادة الحق في اختيار الحياة وفق الهوية والقناعات الشخصية.
وهكذا يتحول التحرر في تجربة مرمل إلى فعل داخلي، يبدأ من مواجهة الذات وينتهي باستعادة حرية الاختيار.

زينا الحجيري… الحرب «تحت النرد»
من جهة أخرى، تقارب زينا الحجيري في مشروعها «تحت النرد» الواقع اللبناني الراهن من خلال الحرب وآثارها، مستعينة بالنرد بوصفه رمزًا لمصائر الشعوب التي تبدو وكأنها رهينة لعبة تحركها قوى خفية.
تتوزع التجربة على ثلاث لوحات؛ ففي الأولى تظهر الحرب في صورة امرأة جُرّدت من ملامحها، ولم يبق منها سوى يد تتحكم بالنرد وأخرى تجمع الجثث والأشلاء، فيما تحضر الوجوه المبهمة في الخلفية بوصفها إشارة إلى القوى التي تدير المشهد من وراء الستار.
أما اللوحة الثانية، فتتناول عبثية محاولة ترميم ما خلفته الحرب، بينما تصل التجربة في اللوحة الثالثة إلى مفهوم السلام الزائف، من خلال صراع بين إرادة الحياة وقوة الموت.
وتحوّل الحجيري بهذا المشروع الحرب من مشهد خبري عابر إلى شهادة تشكيلية على الألم والخراب والمصير المعلّق.

ميليسا عواد… حين يصبح الضوء طريقًا إلى الذات
في مشروعها «يرشدني الضوء»، تخوض ميليسا عواد رحلة داخلية تتقاطع فيها أسئلة الهوية والشفاء والإيمان والتوازن. وتقوم الفكرة على التصالح مع الذات وعدم التخلي عنها في سبيل إرضاء الآخرين، بحيث يصبح الإنسان محور حكايته الخاصة ومسؤولًا عن استعادة ذاته.
يحضر الضوء في التجربة بوصفه أكثر من عنصر بصري؛ فهو إشارة إلى الهداية والبصيرة والبعد الروحي، وبوصلة داخلية تقود الإنسان وسط تبدل العلاقات والأشخاص.
ومن خلال هذا المشروع، تتحول اللوحة إلى مساحة تأمل في الذات، وفي قدرة الإنسان على الوصول إلى توازنه حين يصغي إلى صوته الداخلي.

فاطمة الحاج حسن… الاستهلاك بوصفه منظومة للسيطرة
أما فاطمة الحاج حسن، فتتناول في مشروعها «الاستهلاكية المفرطة: دليلك للاحتكار» ثقافة الاستهلاك المعاصرة، وما تفرضه من سباق محموم نحو الاقتناء والتفاخر والبحث عن الرفاهية.
تتجاوز التجربة نقد الرغبة في امتلاك الأشياء، لتطرح أسئلة حول المنظومة التي تصنع هذه الرغبات وتحوّل الإنسان إلى مستهلك دائم، وتربط بين الاستهلاك وآليات أوسع من الاحتكار والسيطرة.
وهنا يصبح الفن أداة لتفكيك صورة الرفاهية، والكشف عن الجانب الآخر من عالم يبدو لامعًا في واجهته، فيما تخفي خلفها علاقات اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدًا.

فيرا جحا… حين يصبح السطح هو الحدث
وتأخذ فيرا جحا المشروع إلى منطقة أكثر التصاقًا بالواقع المعاصر، حيث يصبح السؤال متعلقًا بقدرة الإنسان على الحفاظ على وعيه وسط فيض من الصور والمثيرات والمعلومات.
تنطلق رؤيتها من مفارقة لافتة: الواقع يتحول إلى ضوضاء في الخلفية، بينما تتقدم الأشياء السطحية وعديمة المعنى لتصبح هي الحدث الرئيسي. وفي عالم يتجه فيه الإنسان بصورة متزايدة نحو ما يمنحه المتعة الفورية، وما يخفف عنه ثقل الذاكرة أو يطمس الحقيقة، يصبح الانفصال عن الواقع عملية تدريجية.
فالتشتت لا يحدث دفعة واحدة؛ يبدأ لحظة يتخلى فيها الإنسان عن تركيزه، ثم ينجرف شيئًا فشيئًا إلى حالة من التنويم، حتى يصبح الحفاظ على الوعي والانتباه امتيازًا كان يمتلكه ذات يوم.
وهنا تضع جحا المتلقي أمام سؤال شديد المعاصرة: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الهروب من الحقيقة أكثر سهولة من مواجهتها؟
وكانت جحا قد قدّمت مشروعها بعنوان “السطحية“ ضمن جلسة تحكيم مشاريع التخرج في قسم الفنون التشكيلية في كلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية، حيث أشارت «ملتقى الألوان» إلى تنوع المشاريع في موضوعاتها الاجتماعية والإنسانية والنفسية.

بتول عاشور… من الولادة إلى الموت
في مشروعها، تنظر بتول عاشور إلى دورة الحياة والوجود والهوية والحرية والموت من خلال سلسلة من الأعمال المترابطة التي تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت.
وتتناول اللوحة الأولى دخول الإنسان منذ ولادته في منظومة اجتماعية وثقافية وإعلامية تشكّله وتراقبه وتضع له معاييرها، فيما تختار الفنانة تصوير الأطفال على هيئة لحم في استعارة عن نزع الإنسانية وتحويل الفرد إلى موضوع للتصنيف والاستهلاك.
وفي اللوحة الثانية، تنتقل إلى فضاءات عامة، مثل عربات القطارات، حيث يلتقي أفراد مختلفون، لكنهم جميعًا أبناء النظام الاجتماعي نفسه، وإن اختلفت حالاتهم النفسية وتعبيراتهم.
أما اللوحة الثالثة فتتناول الانفصال العاطفي والذاكرة بوصفها جسرًا أخيرًا لاستعادة ما تبقى من إنسانية الفرد، قبل أن يصل المشروع إلى الموت، الذي يظهر بوصفه حقيقة حاضرة منذ البداية، وربما لحظة تحرر واستعادة للبراءة الأولى.

علياء زغيب… «التوبة» بين الإيمان والمصير
في مشروعها «التوبة»، تستند علياء زغيب إلى الدلالة الروحية والفكرية للتوبة، وإلى سورة التوبة وما تحمله من قصص وعبر تتصل بمصائر الأمم السابقة.
وتتكون التجربة من ثلاث لوحات مترابطة؛ تستحضر الأولى قصص أصحاب الفيل وقوم النبي لوط في إسقاط بصري على بعض السلوكيات التي ترى الفنانة أنها تتكرر في الواقع المعاصر، بينما تتناول الثانية الحالة الروحية للإنسان المؤمن في رحلته الإيمانية.
أما اللوحة الثالثة، فتنتقل إلى مشهد مستوحى من يوم القيامة، ويحضر فيه قنديل البحر رمزًا للأعمال الصالحة والأثر الذي يبقى للإنسان.
وهكذا تلتقي في المشروع الدلالة الدينية مع الرمز التشكيلي، لتتحول اللوحة إلى مساحة للتأمل في السلوك والمصير ومسؤولية الإنسان عن أفعاله.

مريم فنيش… الاستعمار الثقافي وإبادة الذاكرة
أما مريم فنيش، فتتناول في مشروع تخرجها الاستعمار الثقافي، من خلال قراءة نقدية لردة فعل الشعوب تجاه ما يحدث من حولها، وتذهب بالفكرة إلى ما وراء مفهوم الاستعمار العسكري المباشر.
فالاستعمار، في رؤية المشروع، لا يقتصر على الحملات العسكرية والحروب، وإنما يمكن أن يتحول إلى منظومة متكاملة تستهدف العقول والسلوكيات، وتعيد تشكيل وعي الشعوب وتصرفاتها، وصولًا إلى التأثير في سرديتها التاريخية وذاكرتها الجمعية.
ومن هنا تبرز فكرة «إبادة الذاكرة»؛ فعندما يتنصل الإنسان من قضايا مجتمعه، ويفشل في صون تاريخه والحفاظ على روايته، ينشأ فراغ يمكن أن تُملأه رواية أخرى. عندها لا يعود الصراع على الأرض وحدها، وإنما يمتد إلى من يملك حق رواية التاريخ وتحديد ما يبقى منه وما يُمحى.
وتطرح فنيش بذلك سؤالًا يتجاوز العمل التشكيلي نفسه: ماذا يحدث لشعب يفقد ذاكرته أو يتخلى عن سرديته؟ ومن يكتب التاريخ عندما يتراجع أصحاب الذاكرة عن روايته؟

«وجهة نظر»… ثماني لوحات وأسئلة مفتوحة
تتجاور في «وجهة نظر» ثماني تجارب تنطلق من مشارب مختلفة، لكنها تلتقي عند مساحة واحدة: الإنسان بوصفه كائنًا يعيش تحت ضغط الأسئلة.
فالحرية عند تالا مرمل، والحرب عند زينا الحجيري، والبحث عن الذات عند ميليسا عواد، والاستهلاك عند فاطمة الحاج حسن، والاغتراب عن الواقع عند فيرا جحا، ودورة الحياة عند بتول عاشور، والتوبة والمصير عند علياء زغيب، والاستعمار الثقافي والذاكرة عند مريم فنيش؛ كلها موضوعات تجعل من اللوحة مساحة للتفكير، لا مجرد سطح للألوان.
ومن هنا يكتسب عنوان المعرض «وجهة نظر» دلالته؛ فكل فنانة تنظر إلى العالم من زاوية مختلفة، وتلتقط جزءًا من الواقع، ثم تعيد بناءه بلغة اللون والرمز والتكوين.
إنها ثماني وجهات نظر، وثماني محاولات لفهم عالم مضطرب، وثماني طرق لتحويل الأسئلة الثقيلة إلى صور يمكن للعين أن تراها، وللذاكرة أن تحتفظ بها، وللمتلقي أن يواصل التفكير فيها بعد مغادرته المعرض.

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني