الرئيسية / آخر الأخبار / -إجراءات إحترازية- للكاتبة فاتيما زهرة الماء
-إجراءات إحترازية- للكاتبة فاتيما زهرة الماء

-إجراءات إحترازية- للكاتبة فاتيما زهرة الماء

بين ثنايا هذا النص، هناك حروف، عبارة عن أمانة لَم تُكتَب لِتُقرأ بل لِتُنقَل.
وجب التنويه

-إجراءات إحترازية-

السيناريو الاوّل…

حين صارت السماء مذعورة، جلسنا جميعًا في الممرّ،
الكلّ اختار وضعيته كما يختار مصيره.
خالي جلس متربعًا، وأخذ وضعيّة مواجهة القَدَر.
جدتي إنكمشت، و تمتمت: “اللهمّ اجعلها تَمُرّ ولا تَمُرّ علينا.”
أمّا أنا، فجلستُ نصف جلوس ونصف هروب، كمن يستعدّ لسباق بلا خط، بلا مسار، بلا نهاية.
جارنا صُبحي بدأ يغنّي النشيد الوطني، بصوت يُشبه الإنذارات التي تدعو للتعبئة في توجيهات للمسرحيات الإليزابيثية. في عين اللحظة لم نستطع التفريق إن كانت غارة أم إندفاع صُبحي.
يضبط أبي جَلسته كمن يفاوض الموت ويردّد القنابلُ تخاف من الظلام لا لا لا تخاف، لكنها تَملّ من الإنتظار.
ثمّ نسكت جميعًا، لِنصغي إلى هديرٍ بعيدٍ، يجعلنا نَضحَك بِخفوت، لأنّ أكثر ما يوجِع الغارة، هو البحث عن وضعية جلوسٍ تليق بالخوف.

-إجراءات إحترازية- للكاتبة فاتيما زهرة الماء

السيناريو الثاني…

نجلسُ، لأنّ الوقوفَ صار إعلانًا عن الوجود، والوجودُ أصبح تُهمَة الزمن، والزمن بات يزحفُ على بطنه، لِيبحث عن لحظة لم تُقصَف بعد.
السماءُ مُنغَمِسة في كتابة بيانها بالنار، والأرض تُحاول دَفن رذائلها.
نجلسُ، لِنحاول إقناع الموت بأنّنا أثاث، بِلا حركة، بِلا حلم، بِلا خطيئة.
بَرّانياً، تتساقط البيوت كأفكار لم تَكْتَمِل بَعد. والهواءُ يصرخُ بِمُصطلحات لمْ يَتم تشريعها بعد.
نجلسُ، لأن الجلوس إستحال طقسًا ميتافيزيقيًا،
و تأمّلًا في هشاشةِ أجسادنا، و عَبَث إحتمالية النجاة.

-إجراءات إحترازية- للكاتبة فاتيما زهرة الماء
السيناريو الثالث…

نجلسُ، كما يَجلس المُذنِب، بهدوء، كي لا يُغضِب القنابل كأنّها مخلوقات حسّاسة، تتأثّرُ بنبرة الصوت، و يَسْتَنظِر حُكمه المُرتَقَب إصداره من الديّان، المُجَانِس لِضوضاء الحديدِ على الإسفلت.
خالة المُذنِب بثقةِ العارفين تضعُ وسادة فوق رأسها وتُشيد بأن وِسادتها تردُّ الشظايا لأنها محشوّة من ريشٍ ناعم.
مباغتة… يَستَعظِم أخي إن كانت للقنبلة الإستطاعة على تحديد أسماءنا، كي تُصيب بَنك أهدافها.
يضبطُ أبي جلسته كراهبٍ في مَعبَده المُضطرم، مُستَجيراً بإرتياب: “ربما، لكن إحذر لا تُعرِّفها بِنَفسك.”
في هذا السيناريو، الجميعُ يختبئُ في فكرةٍ واحدة على أنّ الجلوسَ الصحيحَ قد يُنقذ العالم.
بعدها نضحك لأنّنا لمْ نَعد نملك شيئًا آخر.

-إجراءات إحترازية- للكاتبة فاتيما زهرة الماء
السيناريو الرابع…

نجلسُ، لأنّ الحركةَ خيانةٌ للهواء. الخيمة الزرقاء فوقنا تتفوّه بِلُغَتِها المُتَمَفرِدة، كصوت الحقّ حينَ يُقال مُتثاقلاً.
تختلج الأرضُ سِفْلَنا، و تُقِرّ بتَهَيُّبها.
نجلسُ، لِنُوازن أنفسنا بينَ الذُعر والفلسفة، بينَ فكرة الخلاص، والسؤال عن مَعناها الشمولي.

أسَيَسْلِم جَسدنا حينَ تموتُ الطمأنينة، و يختبئُ الفِكرُ تحتَ البوفيه، مُمَاثِلنا؟

في ذروة النهاية، ورمَقها الأخير، تَدلَّحت ساعة ميتة، إلى لحظةٍ غير متناهية، كأنّ الزمنَ نفسهُ تربّع وسطنا، مُنتظِراً مُضيّ الغارة ليواصل عمله.

نضحكُ مجدداً، ليس سخريةً، بل تمرينًا على البقاء.

نجلسُ، نُفكّرُ في هشاشتنا، وفي وضعية جلوس الأرض، مأمولَة في غارة أكبر، كُنْهَها البَوار.

-إجراءات إحترازية- للكاتبة فاتيما زهرة الماء

شاهد أيضاً

الشاعرة راما وهبة

“خفة الندوب” للشاعرة راما وهبة

“خفة الندوب” للشاعرة راما وهبة عند الفجر أحسَّ بخفة الندوب التي أحملها اقتربَ من الحواف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *