
إنّ قراءة نص “أخطاء صفريّة” للكاتبة فاتيما زهرة الماء، يتطلّب من المتلقي أن يغوص في أعماقه لفهم المبتغى منه، ولعلّنا في هذه المطالعة التي تندرج في نقد النّقد نبرز ما لهذا النّصّ وما عليه.
وأوّل ما نقف عنده هو التّوجّه إلى الإغراق الفلسفيّ في عرض المحتوى، ما يقربه إلى الغموض، مع الإشارة إلى أنّ النّص موقّع باسم فنّيّ أو مستعار ما يجعلنا أمام ستار غامض في الشّكل والمضمون.
ويمكن قراءة هذا النّص عبر تبيان ما فيه من نقاط إيجابيّة، أوّلها الجرأة في مساءلة المسلّمات الفكريّة، فهو لا يكتفي بنقد السّلطة أو الحرب، بل يمتدّ إلى نقد الأدوات الفكريّة التي اعتاد المثقفون تفسير الواقع من خلالها. وعليه جاءت مساءلة فوكو وديكارت وهيجل وكانط وسارتر، وهذا يحيلنا إلى اكتساب النصّ بعدًا حواريًّا، وحسبان الفلسفة موضوعًا قابلًا للنّقد والمراجعة.
وقد اعتمدت الكاتبة في هذا النصّ على المزج بين الفكر والأدب، أو بين الإبلاغية والإبداعيّة، فهو ليس بمقالة فكريّة وليس قطعة أدبيّة خالصة، إنّما يقع في منطقة وسطى بين الأمرين. من هنا برزت بعض العبارات التي تميل إلى البيان والتّضمين: “الصّفر الذي يحوّل الدّم إلى إحصاء”، “الحذاء الورديّ…ضدّ الميتافيزيقا”، “الجنرال الذي يحرّك دبابيسة على الخريطة”، “اللّغة الرّسميّة إلى شبح”. وبذلك فإنّ هذه العبارات تعطي الأفكار المجرّدة حسًّا، وقد تساعد القارئ على معايشة الفكر، ولعلّ مشهد الحذاء الورديّ أكسب ختام النّص أثرًا رمزيًّا، فانتقل من التّجريد الفلسفيّ إلى التّفاصيل الإنسانيّة الملموسة.
ولعلّ ابتعاد النّصّ عن الصّوت الواضح يمنحه البعد الدّراميّ، فنلمس بالنّص أصواتًا متعدّدة منها للمنظّر والنّاقد السّاخر والمحقّق والأمّ والجنرال، ما يدخل المتلقي في سجال فكريّ تتصارع فيه وجهات نظر مختلفة.
وقدّمت الكاتبة في نصّها هذا محورًا أخلاقيًّا، يتمثّل في الدّفاع عن الإنسان الفرد في مواجهة اللآلات والمؤسّسات والإحصاءات، لهذا رفضت اختزال الإنسان في رقم أو نسبة مئويّة أو ضرر جانبيّ أو هدف عسكريّ. وقي ذك توجّه نحو النّزعة الإنسانيّة.
وتتجلّى قوّة النّصّ في اللحظة التي التفتت فيها الكاتبة إلى نفسها، واعترفت بأنّها قد تقع في الفخ نفسه الذي تنسبه إلى الآخرين، حين قالت إنّه ربما تمنح المجرمين بعدًا فلسفيًّا لا يستحقونه، فإنّها تمارس نوعًا من النّقد الذّاتيّ النّادر في النّصوص الفكريّة.
وبناء على ذلك يمكن من زاوية نقد النّقد أن نقول إنّ الكاتبة بدأت بمهاجمة الخطابات التي تحوّل الضّحايا إلى ارقام، وانتقدت المنظّرين، لنرى بأنّها وقعت في ما انتقدته، ونتساءل إذا كانت الكاتبة ترفض تضخيم ذكاء السّلطة، فلماذا تضخّم بدورها قيمة خطابها الفلسفيّ بحسبانه قادرًا على تفسير كلّ شيْ؟ وهل يحقّ للفلسفة أن تستثمر آلام الضّحايا مادة للتّنظير؟
وإذا استطاع النّصّ أن يتأرجح بين اختزالين: اختزال فلسفيّ يردّ كلّ شيء إلى انظمة خطاب وسلطة، واختزال واقعيّ يردّ كلّ شيء إلى غباء الأفراد، فإنّ الحقيقة تتمثّل غالبًا في منطقة أكثر تعقيدًا من الطرفين. ويشير النّصّ إلى أنّ النّاقد السّاخر قد مارس نوعًا من الاختزال، إذ اختزل الظّواهر السّياسيّة والمؤسّساتيّة المعقدّة إلى مجرد حمقى ومجرمين أغبيا، فهنا لم يعد هذا النّاقد السّاخر بريئًا من السّلطة التي يهاجمها.
وفي الخلاصة إنّ قيمة هذا النّصّ لا تكمن في صحّة أحكامها الفلسفيّة، إنّما في قدرتها على تحويل الألم الإنسانيّ إلى سؤال فكريّ، ويمكننا أن نقرأ هذا النّصّ بحسبانه مقالة تأمليّة نقديّة ذات نزعة إنسانيّة قويّة ولغة أدبيّة كثيفة. وإنّ هذا النّص يمتلك طاقة فكريّة وجماليّة حقيقيّة.
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني