على طاولةٍ بلا أرجُل، إستيقظتُ صباحاً لأبدأ التفاوض،
مع المنبّه أولاً، الذي أصرّ على الصراخ، وأنا التي ألْحَحتُ على تجاهله. جلستُ أمام المرآة، لأقنع وجهي بأن يبدو متفائلاً، لكنّّه طالبَني بزيادة في الراتب، قبل أن يَبتَسِم.
توجَّهت نحو مطبخي، للتفاوض مع ركوة القهوة،
قالت: ” عزيزتي، انا لا أعمَل قبل التاسعة.” رَدَدْتُ الجواب: “يا غاليتي، وأنا لا أعيش قبل الكافيين.” في المُحَصَّلَة، إتفقنا على هدنةٍ مؤقّتة.

خرجتُ إلى الجادة، تحديداً إلى مسافة صفر، لأُباشر جَولة المُفاوضات الكبرى التي بدأتُها مع السائق العَنود الذي أصرَّ على أن يرى الإشارة إقتراحاً، ومع البائع الذي تَمَسَّك بِبَيع التفاؤل بالكيلو على سِعر صرف البارحة، ومع الساعة التي أَبَيَتْ أن تمشي ببطءٍ مُتعمَّد، فقط لِتَستَمتِع بعذابي.
بعد يوم مديد، عدتُ إلى البيت، مُحمَّلة بنتائج نهاري العظيم مع “صفر إنتصارات.” رتّبتُ أموري بِشطط، لأُهيئ نفسي لِلقمَّة المَرغوبة مع أهل الضيعة.
تلاقينا مع المخاتير في السَّاحة، التي بات نصفها من أنقاض، وشطرها الثاني عبارة عن مقهى قديم يبيع الأمل بالتقسيط، إسمه “كافيه إم جورجيت”. حملنا دفاترنا، و اليَرَاع البائتة، وأحلامنا التي تحتاج إلى صيانة، ونوايانا الحسنة التي لم تُستَعمَل بعد، لِنُفاوض على الخراب الذي صار الجار الرسميّ للضيعة.
إفتتحت المَجلِس، “لنبدأ بتقسيم الأنقاض بِعَدل، فمن له بيتان مهدَّمان، ليس كَمَن له بيتٌ واحد.” قلت بِعَزم.
* ساد الصمت قليلاً إحتراماً للكارثة.*

إقترحَت جورجيت أن نكتب نشيداً وطنياً جديداً،
يبدأ بصوت الحفَّار وينتهي بصدى المولِّد الكهربائي، و بأن نَكتُب دستوراً جديداً للرماد لأنّ القديم قد إحترق مع الأرشيف. أمّا أبو جورجيت، قال وهو يحرِّك مسبحته: “يا عيالي، الخرابُ رِزق، من لم يُصبْ به، فاته نصيبه من الحِنكَة.” ثمّ جاءت إم جورجيت مع فناجينها الفارغة، و شزرتْ زوجها قائلة: “يا أولادي، الخراب مثل الزواج، في البداية صَدمَة، ثم تَعوُّد، وآخرها حنين مُريب.”
تبادلنا الأنخاب من أقداح شاغرة. نخب للصبر، ونخب للكهرباء التي لم تأتِ، ونخب للحلم الذي تأخَّر في الإختناق المروري، ونخب للراتب الذي لم يصل بعد. تلاسننا قليلاً وتخاصمنا لفظياً، ودخلنا في مشادة كلامية لاذعة، كادت أن تؤدي إلى إنشقاق بين صفوف المخاتير وأبناء الضيعة.
في نهاية المَجلِس وقَّعنا جميعاً على إتفاقٍ غير مكتوب، دُوِّنَ في أعلاه بخطٍ مائل:
” تمَّ الإتفاق على إستمرار الخراب حتى إشعارٍ آخر.”
وعاهدنا أنفسنا على أن نعيش قليلاً، أن نكذب قليلاً، وأن نُبقي للخراب حقَّه في الكلام. ثم نهضنا، وكلٌّ مِنَّا يَحملُ بقاياه في حقيبةٍ من أشلاء وَهْم.
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني