لا تبكِ منزلاً، فالمنزلُ ظلٌّ من طينٍ وماء، يُهدَمُ ويُعادُ في لحظةٍ أخرى. لكن الأرض لا تُنسى، لأنها لا تُرمَّم، تماماً كالجرح الذي لا يندمل بالوقت، تماماً كالألم الذي يَسكُن تحت الأظافر، تماماً كالحنين المُنْكَمِش في العظمِ كوشمٍ قديم. نمشي على ترابها حفاة عراة غرلاً.
ابكِ الأرضَ إن غابت، ابكِها كما يُبكى الأبُ حين يَرحل، كما يُبكى الوطنُ حين يُغتال، ابكِها بصمت، فالأرضُ لا تَسمع الصراخ علّها تعود ولو حلماً. ففي الأسفار بردٌ لا يُحتَمل، وفي الغُربة ترنيمة لِجَدّ يحرث الحقل، من قبورٍ تَبتَسِم تحت المَطر.

لا تبكِ منزلاً، فالمنازلُ تُنسى، وأبوابها لا تُفتَحُ إلا للغُبار، ولنداءِ المُؤذّن حين يَمتَزِج بصوتِ الجواثم. لا تبكِ منزلاً
يُؤجَّرُ مع وعدٍ بالحنين، وإبتسامة سِمسَار يعرفُ كيفَ يبيع الهواء بِطَعم التُراث المَحليّ، القريب من البحر والبعيد عن الفقراء.
لا تبكِ منزلاً، فالمنازلُ تُبنى على العروض، وتُهدَمُ على الخصومات، ويُصبح الجار لا يعرف الجار، إلا إذا اشتكى من صوتِ الغسالة صباحاً.
ابكِ الأرضَ إن شئت، فالدموع ستُحسَبُ عليك كضريبة مياه. والحنين سيصبح بنداً، يُدفَع إمّا نقداً أو بالتقسيط. لا تبكِ منزلاً بل أرضاً، فالأرضُ وحدها تتندر بنا، حين نَختلفُ على الحدود، و نسهو جميعاً أننا مجرد مُستأجرين في حضنها الكبير.

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني