تعلمنا في طفولتنا درسًا بسيطًا عن هذا الكوكب:
أن عليه بشرًا يملكون عقلًا وضميرًا، وعليه حيواناتٌ بعضها أليف وبعضها مفترس.
كنّا نسأل ببراءة: لماذا تقتل الحيوانات المفترسة بعضها؟ وكان الجواب يأتي دائمًا واضحًا: لأنها جائعة. كبرنا ونحن نحمل تلك القاعدة البسيطة في رؤوسنا، كأنها قانونٌ من قوانين الكون.
الجوع يفسّر الافتراس، والغريزة تفسّر الدم.
ولهذا كنّا نطعم الحيوانات الأليفة، ربما خوفًا من أن يوقظ الجوع فيها وحشًا نائمًا.
ثم كبرنا أكثر…
فاكتشفنا أن القاعدة لم تكن كاملة.
في هذا العالم رأينا إنسانًا يفترس إنسانًا لا لأنه جائع، إنما لأنه قادر. ورأينا إنسانًا يقتل لا دفاعًا عن الحياة، لكن طمعًا في سلطةٍ أو أرضٍ أو فكرة. وعندها اختلطت المعايير كما تختلط الطرق في الضباب، حتى لم يعد واضحًا من الأليف ومن المفترس.
المفارقة الموجعة أن المفترس بين البشر كثيرًا ما يظن نفسه وديعًا، والأليف قد يبدو في عيون المفترسين خطرًا ينبغي القضاء عليه. وهكذا تضيع البوصلة، وتصبح الحقيقة كمرآةٍ مكسورة تعكس وجوهًا كثيرة لشيءٍ واحد. في عالم الحيوان المسألة أبسط بكثير. الغزالة تهرب فتجد في شجرةٍ ملجأ، والطائر يختبئ في عشٍّ صغير، والأرض تمنح أبناءها أماكن للاختباء من الأنياب والمخالب.
أما نحن…
فنعيش في زمنٍ صار فيه المفترس قادرًا على أن يمدّ مخالبه عبر القارات. صاروخٌ يعبر السماء ليصطاد إنسانًا لم يره قط، وعقلٌ بشريٌّ آخر هو الذي صمّم تلك النار الطائرة، كأن الحضارة التي رفعت الإنسان إلى القمر نسيت كيف تعيده إلى قلبه.
وهكذا تحوّل الكوكب شيئًا فشيئًا إلى غابةٍ غريبة القوانين. غابة لا تحكمها الغريزة وحدها، لكن تحكمها أيضًا قسوة العقل حين ينفصل عن الرحمة.في تلك اللحظة يدرك الإنسان حقيقةً مؤلمة: أن الوحشية حين تسكن الحيوان تبقى ضمن حدود الطبيعة، أما حين تسكن الإنسان فإنها تتسلّح بالفكر والحديد والنار.
فالإنسان لم يُعطَ قلبًا ليكون مخلبًا، ولا عقلًا ليصبح سلاحًا،وإنما ليكون جسرًا يعبر به نحو الآخر.ربما لهذا تبدو غابتنا اليوم موحشة.
شيءٌ واحد ينقصها كي تعود أرضًا صالحة للحياة:
شيء اسمه الرحمة… وإيمانٌ بسيط بأننا خُلقنا لنتعارف ونتحاب، لا لنتفنّن في قتل بعضنا بعضًا …
صباحٌ نؤمن فيه أن الرحمة ما زالت قادرة على أن تهزم الوحش الذي قد يسكن القلوب، وأن في داخل كل إنسان نورًا يكفي ليعيد لهذا الكوكب شيئًا من إنسانيته ..
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني