في الطريقِ بينَ مركزِ الإيواءِ ومركزِ الضيافة، كانتِ الحافلةُ تمضي ببطءٍ، تجرُّ خلفَها أنفاسنا الثقيلة، وبعض الوجوه المُتعَبَة من كثرةِ الأسئلة.
توقّفتِ الحافلةُ ثلاثَ مرّات.
١- مرّة لأنَّ السائقَ نسيَ الطريق.
٢- مرّة لأنَّ اللوحة الإرشادية كانتْ مقلوبة.
٣- مرّة لأنَّ أحدَ الركّابِ أقسمَ أنَّهُ رأى وطنَهُ في مرآة الأوتوبيس.
هَأْهَأْنا ثمَّ قَهقَهنا.

فما الذي يُمكنُ أن نفعلهُ غيرَ الضحك، بعد أن جَفَّت مآقينا، وأضحى التفاؤلُ سلعة تُوزَّعُ بالبطاقاتِ التموينيّة؟
في مركزِ الإيواءِ، إستقبلونا بإبتسامةٍ نصف رسميّة،
و بعيون تهمس لنا، ولِما تبقّى من أكياس صَبرنا، على أن الرّاحة هنا مرحليّة. هناك، كانت الأسرّة تئنُّ كلَّما تحرَّك الحلمُ فينا.
في مركزِ الضيافة، وفّروا لنا عصيراً بلا طعم، وهتفوا “أنتم ضيوفُ الكرامة.”
فصفّقنا، لأنَّها لغة النجاة الوحيدة التي فَضَلَت لنا.
سألت أحدهم:”هل الفرقُ بينَ الإيواءِ والضيافةِ هو نوعُ البطّانيات؟”
فأجابني مختصراً: “لا، يَكمن الفَرق في عددِ الإبتساماتِ عند أخذ اللقطات البروتوكوليَّة.”
ضحكنا مجدّداً، حتى كادَ الحارسُ يبتسمُ معنا، لكنَّهُ تذكّرَ التعليمات، فإستعادَ صرامته كتمثالٍ من ورق الغار.
ما بينَ المركزينِ، يَسرَح خط إمداد نمشي عليهِ حفاة. نحملُ في صدورِنا خريطةً، لا تشيرُ إلى مكان، بل إلى زمنٍ كنّا فيهِ بشراً، قبلَ أن نصيرَ حالةً إنسانيّة.
في هذه السرديّة العبثية تعلّمنا أنَّ السخرية وطنٌ بديل،
وأنَّ الضيافةَ قد تكونُ قفصاً مطليّاً بالفضّة، وأنَّ الإيواء قد يكونُ مُجرَّد خيمة لا تعرفُ أسماءَ ساكنيها.
في نهاية المشهد، نادوا أسماءَنا للإنتقالِ من جديد،
صفّقنا مجدداً لأنفسِنا، وقلنا: “ها نحنُ ننتقلُ من مأوى إلى مأدبة، ومن مأدبة إلى مأساة بإبتسامةٍ رسميّةٍ جدّاً.
وهنا أضاع النزوح هويّته بين المركزين، و ضاق العالم بين مُصطلحين.
ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني