الرئيسية / آخر الأخبار / يا وطني الرائع يا وطني.. مراسلات عائلية خاصَّة
الكاتبة فاتيما زهرة الماء

يا وطني الرائع يا وطني.. مراسلات عائلية خاصَّة

من ربيع إلى فاتيما…

سأتذوّق وطني وأموت، لكن قبل ذلك، دعوني أتذوّق الفلافل أولًا، فالوطنية على معدةٍ فارغة فلسفةٌ صعبة الهضم.
قالوا لي يا فاتيما ان الوطن في القلب، امّا بالنسبة لي، كان مطبخ أمّي، “يعني عمتِك”. فكلّما شممتُ رائحة المجدرة، داعبني شعور بأنني مواطن من الدرجة الأولى.
سأتذوّق وطني من طابور مناقيش الزعتر الصباحي، حيث الفلسفة الوطنية تُختصر في: “من وصل أولًا، أكل أولًا”، ومن تأخّر، “نزل عليه أبو الجماجم”، “وطاح في محضرة الطعام.”
وطني ليس فكرةً مجرّدة، ولا صحن فْراكة من “شِغِل عمتِكْ.” وطني موجود في زحمة السرفيس، حيث تُكتَسَب المعاني المُجرَّدة لبّها، فينقلِب حال مفهوم “المساحة الشخصية”، لا على أنه خرافة اخترعها الغرب، بل على إفتراضية أن الإنسان يمكن أن يتّسع لسبعة أشخاص ونصف.
بفنتازيا كروية قالوا لي ان “الوطن كرامة،” فجاء الرّد على انّ “الكرامة محشي كوسا”، فكلاهما يحتاج صبرًا وحشوةً جيدة وقليلًا من البهار الأسود.

سأتذوّق وطني من لهجته، حيث كلمة “يعني” تحلّ كلّ المشاكل الفلسفية، و“إن شاء الله” تؤجّل كلّ القرارات الصعبة، و“ما علينا” تُنهي كلّ جدالٍ عقيم.
في اللحظة التي إكتمل الطعم في فمي، وشعرت “بحرقة المعدة الوطنية”، قلت بصوتٍ عالٍ: “رزق الله على ايام زمان.” رغم أنني لم أعشها أصلًا.
سأتذوّق وطني وأموت، مع القليل من موسيقى السوينغ، وجِيرة يقولون: “الله يرحمه، كان طيِّب”، رغم إنهم لم يفتحوا معي حديثاً منذ سنتين. سأتذوّق وطني وأموت، في مناسبة اجتماعية كبرى، فيها قهوة مُرّة من دون هال، وعائلات يتذكّرون فضائلي التي لم أكُن أعرِف أنني امتلكها.

الكاتبة فاتيما زهرة الماء

من فاتيما إلى ربيع…

تخلصت من سجن البطانية اليوم على رائحة الوطن، لكنّها كانت رمادًا مطحونًا بعنايةٍ في مطحنة التاريخ. مددتُ يدي إلى الخبز الأسمر، فوجدته منشورًا حكوميًّا عن الأناة، وعلى ملعقتي التي اصبحت جواز سفر منتهي الصلاحية، وقلّبت الدنيا على فرشاة شعري، لم أعثر عليها. جلستُ على مَأْدُبَة او مائدة مستديرة، لا اتذكّر، ولكن استذكر أن الوطن كان أمامي، مطهوّ على نارٍ من الشعارات، يتبخّر منه بخارُ الأمل، ويُقدَّم مع صلصةٍ من الأغاني الوطنية القديمة، كهذه: “جربت أكتبلك غنية عاطفية ما طلع بايدي، أنا جربت وحياتك ضحكو الكل عليّ. القصة مش بايدي، يا أختي القصة كبرت، ما عاد فيّ حِب، قصة وعي سياسي، مش قادر إني حِب. حُبي هو الجماهير،  وغرامي القضية، صيري إنتي الجماهير والفئات الشعبية لأكتبلك غنية عاطفية.
إطلعليلك شي مظاهرة، إكتبيلك شي بيان، إعلني إضراب مطنطن، وبضهره إعتصام، صيري إنتي الجماهير، والفئات الشعبية لأكتبلك، غنية عاطفية.”
footnote: أغنية لخالد الهَبِر

تذوّقتُ لقمةً، فانفجرت في فمي نكهةُ الانتظار، تلتها رائحةُ الخوف، ثم طعمٌ خفيفٌ من الحنين المعلّب. ضحكتُ حتى سالت الدموع من فمي، فامتزجت بالوطن، وصار الطعمُ أكثر واقعية.
طبّ علينا مذيع نشرة الطقس، ليعلِنَ أن المواطنَ الطوباوي، هو الذي يبتلع وطنه، كالذي يستنشق الهواء بحريّة كأنه في سويسرا. فأكلت آخر لقمةٍ من الحدود، وشربتُ نخبَ النشيد الوطني، وألقيت إفيه: “الآن فقط، سأتذوّق وطني وأموت.”

الكاتبة فاتيما زهرة الماء

من عمتو إلى ربيع وفاتيما…

“صباح الخير ماما، صباح الخير عمتو، يلا ناطرتكن على الغدا، اليوم طابختلكن الوطن، مع شويّة بصل، وشويّ من صلصة المازوت. ما كترتلكن من دموع المعلمين ولا حلّيتها متل إبتسامة شي مسؤؤل. ما تتأخّرو لازم تاكلوها سخنة متل الوعود الانتخابية. طالع معي الوطن هل المَرَّة مقرمش. أوعى تتأخّرو.”

               لا بأس، فالحبّ لا يُقاس بالعطر.

وصل ربيع قبلي فأكل طبق الوطن، حارّاً كالغضب الشعبي. امّا انا وصلت على “أكشن” المشهد الأخير، وأكلت طبق الوطن بارداً كالنظام.
امّا عمتو، غنَّت:” سأتذوّق وطني الرائع إلى أن أموت، ربما ألتهمه لقمةً لقمة، أو يلتهمني هو في النهاية، لكنّنا سنبقى معاً، في وجبةٍ لا تنتهي.

 

شاهد أيضاً

الوحش الذي يسكن الإنسان للكاتبة ليندا حمّورة

“الوحش الذي يسكن الإنسان” للكاتبة ليندا حمّورة

تعلمنا في طفولتنا درسًا بسيطًا عن هذا الكوكب: أن عليه بشرًا يملكون عقلًا وضميرًا، وعليه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *