سؤال يطفو على ذاكرتي كلما تذكّرت جدّتي، وهي تَضَع في سلَّتها تلك الثمرة الصفراء التي تَلْمع كَشَمس صغيرة. تغادر بها نحو السّوق بخطوات تعرف الطريق أكثر ممَّا تعرفه قدماها. كانت تبيع الحامض لتشتري الصابون، كأنها تُقايض الطَّعم بالرائحة، و الحموضة بالنقاء.
كنت أراقبها وهي تَفْرك يديها بعد الغسيل، كأنها تمحو شيئًا لا يُرى، شيئًا عالقًا بين أصابعها منذ زمنٍ بعيد. وأسأل نفسي، هل كانت تَغْسل تَعَبها؟ أم تنظّف ذاكرتها من طين الأيام؟
كانت شجرة الحامض تلك التي زرعها جدّي قُبَيْل رَحيله، تُثْمِر في كل موسم، كأنها تَذْكُرُه، كأنها تُصِرّ على البقاء نيابةً عنه.
ربما كانت جدّتي تُساوم الحامض بالصابون كي تُبقي رائحة جدِّي حيّة في البيت، أو لِتغسل غيابه عن الأواني والملابس والجدران.
لَسْتُ أدري، ربما كانت عمليَّة الإستبدال تلك تُشكِّل طقسًا سريًا بين الأرض التي تُنْبِت، و اليَد التي تُنَظِّف، بين ما يُؤكَل وما يُطَهِّر، بين ما يُبقي ما فَضُلَ من الذَّاكرة، وما يُمحى منها.
ومضات أُخرى من الذاكرة ما بَرِحَت تَنْتَشلني من ذاك المَشهد. فَيلوح أمامي سؤال آخر، كلّما اسْتَحضَرت مَشْهَديَّة جدَّتي وهي تَجمَع الثِّمار الحمراء في سلالٍ من القش. تَقْطفها كأنها تُراكِم لِتدَّخِر و تَحتوي قلوبها المُتناثِرة على التراب. بعدها، تتوجَّه بها نحو السوق لمُنَاقَلَتها، فَتعود مُحمَّلَة بأكياس الرز البيضاء التي تُشبِه الوفاء الصَّامت، وإِطَاقَة مَخِيطَة بالإيمان.
كنت أراها تَلْمس حبات الرمَّان بحنانٍ نادِر، كأنها تودِّعها قبل الرحيل. لم تكن المُبادلة تَمُرّ عليها مرور الكِرام، لأنها كانت تَرفد ظِلّها السابغ تحت تلك الشجرة التي زرعها أبيها ذات فجرٍ بعيد.
كانوا جيرانها يُحدِّقون و يأتمرون بإغْضاء على تيك المقايضة على انها معادلة بسيطة، رُمَّان مقابل رز.
لكن في مُقلة جدَّتي كان الأمر أعمق بأشواط، كأنها تُبدِّل بتلات القرمز بِحُمْرة الحياة. كانت توقِن أن الرزّ يُشبِع الجَسد، بينما الرُمَّان يُشبِع الذاكرة. كانت تَعي أن البَقاء يَحتاج إلى ما يُؤكل، لا إلى ما يُتَذَكَّر. بين الحَبّة الحمراء والحبّة البيضاء، كانت تَتأَرجَح حكاية امرأةٍ تَقْتَطِف في كل موسمٍ سؤالًا جديدًا عن مَدلول الإفعَام.
كيف لي ان أسهو عن ما كان يُراود خاطري كلَّما اسْتَذكَرت جدّتي مُنحنية على التراب، تَشدّ البصل المزروع في الجَلّ الأول خلف بيتها القروي، من عروقه، كما لو كانت تَنْتَزِع من الأرض سِرّها القديم، كأنّها تَنْتَزِع من ذاكرتها ما تبقَّى من صَبرِها، لِتَضَعه في سلالٍ من خوصٍ مُتعَب. تَمْسَح جبينها بطرف منديلها وتقول: “البصل لا يُؤكَل وَحده، ولا يُترك في الأرض أكثر ممَّا يجب.” فَبَعدَ إتْمامها من جَمْع الرؤوس، و هزّها برفقٍ لِتُسْقِط عنها ذرات التراب، تَرتسم على ثغرها بَسْمة كَمَن أنهى مَراسم المُناجاة والعبادة.
كانت تَرتَحل نحو السوق لِتبيع البصل، لا لِتَربَح، بل لِمُقالبَتِه بِصُرَر البطاطا و عناقيد الثوم. كأنها تُعيد ترتيب مائدة الحياة، لِتُوازِن بين ما يُبكي العَين وما يُشبع البَطن، بين ما يُنبَت في الجَلِّ الأوَّل وما يُخزَّن لِشتاء طويل. كان هذا الروتين الكَلِف يُشبِه عِبارة جَبريَّة تَصون إستقرار البيت. فما يُقْتَلَع يُؤكَل، وما يُخزَّن يُؤمِّن الغَد. كنت أراها تعود من السّوق بخطواتٍ بطيئة، وعيون فيها خِفَّة الرضا. بالنسبة لها كانت تلك الرحلة حوارًا صامتًا بينها و بين الأرض، بين ما يُزرَع وما يُشتَرى، بين ما يُمنَح وما يُستَعاد.
خلف هذه البانوراما، تتجلَّى حِكمة الجَدَّات، على أنَّ الحياة تُدار بالبسيط، والبقاء فَنّ لا يُتْقَن إلاّ في الجَلِّ الأول، خَلفَ البيت القُرَوّي.

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني