كان غروباً أَطارته الرِّيح من التُّراب والرِّيش، عندما وصلتُ إلى فندقٍ بلا إسم و من دون حَجز مُسبَق. إستَرعَت إنتباهي لافتة الفندق، النِّصف المُحترِقَة، التي لَمْ يَتَبَقّ من حُروفِها ما أُهَجِّيه سوى كلمة “حَرب”. حَلَلتِ أهلاً ووطئتِ سهلاً في فُندق الحَرب، الوحيد الذي يُقدِّم وجبة الفُطور مع قصفٍ خفيفٍ على الجانب، حيث الإستقبال مفتوح على مدار الفوضى. هكذا رُحِّب بيّ مِن قِبَل المدير الذي كان يُرتِّب الأرواح في سِجلّات الفندق مانِحاً كلّ مِنها رقم غرفة، مُدوَّناً بجانبها “لم يُغادر بَعد.”
لَم يَطلُب مني مُوظَّف خدمة العُملاء، أوراقي الثبوتيّة، فقط إكتَفى بإكرامي عَبر إبتسامة، أَبرَزَت أَسنانه المُشكَّلَة من رصاصٍ مُسْتَعمَل.
في اللّوبي، يَجلس شاعرٌ على كَنَبَة مهلهلة يكتب عليها قصيدة عن السَّلام بين إنفجارٍ وآخر. يَمُرّ النادل ويَطلب مِنه “فنجان قهوة بلا شظايا”، فيَعتَذر مِنه بلطف: “نَفَدنا من القَهوة، لدينا فقط بُخار الخوف، أَأُحَضِّره لك؟”

تَأفف الشاعر وإقْتَصَرَ رَدّه بِرَفع حاجبَيه شاجِباً.
بإيعاز من مسؤول الإستعلامات تَوجَّهتُ نحو امرأة تطرّز خريطة بلد ما، على منديل أبيض. قالت لي دون أن ترفع رأسها: “الغُرَفُ ممتلئة بالذين لم يعودوا.”
أعطتني مفتاحًا صدئًا، وقالت: “غُرفَتُك تطلّ على الذاكرة. فالغرف هنا فسيحة بما يكفي لذكرياتٍ مهجّرة والأسِرَّة عندنا مصنوعة من صناديق الإسعاف القديمة. كلّ غرفة هنا مُزوَّدة بإطلالة بانوراميَّة على الخراب، وشرفةٍ تَصلح لتهوئة ثيابك أو لتنقية الجوّ، أو لِرَفع الرّاية البيضاء.”
صعدتُ الدَّرَج. كانت كلّ عتبة تُصدِر أنينًا يُشبِه الإسم المَكْنُون، وسراب صوت طفل يَسأل: “هل للحربِ مَوعد خروج؟”
وصوت آخر لِرَجُل يَهمس لِزوجته التي غابت عنه منذ الحرب الأولى بِعبارات مُبهَمَة.
يَنسابُ الوقت منّي و يَحلّ المساء بِخَجَل مُبتَذَل، كَيّ لا يَقطَع موسيقى القذائف في الخارج المُتناغِم مع إيقاع المَدافع، تأهُباً لحفلة الهدنة التي فيها يَرقص النزلاء على أنغام صفّارات الإنذار، بَعد أن يقوم المدير بتوزيع الخوذات عليهم بَدَل القبّعات. قائلاً بفخر: “نحن نَضمن الأمان حتى إشعارٍ آخر.”
تُخْتَتَم السهرة بقصيدة ذاك الشاعر الذي لم يُغادر الكَنبة.
و حينما يهدأ الدُّخان قليلًا، يَصِل الصَّباح مُتَناِعساً، و يُقدَّم الفطور على أنغام المآذن و سُهاد الصَّفارات،
و يُضيفُ المُدير على الفاتورة: “إقامةٌ ليليّة في فندق الحرب تَشمل الحلمَ مجانًا، لكنّ الإستيقاظ، فَله تَكلفة إضافيّة.”

ملتقى الألوان الفني ملتقى الألوان الفني